نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٠ - ١٧٤ - و من خطبة له عليه السّلام
و مكارهه منها، لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه، فإنّ رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله و سلم، كان يقول: «حفّت الجنّة بالمكاره و حفّت النّار بالشّهوات».
و اعلموا أنّه ما من طاعة اللّه شىء إلاّ يأتى فى كره [١]، و ما من معصية اللّه شىء إلاّ يأتى فى شهوة. فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته [٢] و قمع هوى نفسه، فإنّ هذه النّفس أبعد شىء منزعا، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصية فى هوى.
و اعلموا عباد اللّه أن المؤمن لا يمسى و لا يصبح إلاّ و نفسه ظنون عنده [٣] فلا يزال زاريا عليها، و مستزيدا لها. فكونوا كالسّابقين قبلكم و الماضين أمامكم، قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل [٤]، و طووها طىّ المنازل. و اعلموا
[١] أى: لا شىء من طاعة اللّه إلا و فيه مخالفة لهوى النفس البهيمية فتكره إتيانه و لا شىء من معصية اللّه إلا و هو موافق لميل حيوانى فتشتهى النفوس إتيانه
[٢] نزع عنه: انتهى و أقلع، فان عدى بألى كان بمعنى: اشتاق، و «أبعد منزعا» أى: نزوعا، بمعنى الانتهاء و الكف عن المعاصى
[٣] ظنون - كصبور -: هو الضعيف و القليل الحيلة، فيريد أن المؤمن يظن فى نفسه النقص و التقصير فى الطاعة، أو هو من البئر الظنون التى لا يدرى أ فيها ماء أم لا، فتكون هنا بمعنى متهمة، فهو لا يثق بنفسه إذا وسوست له بأنها أدت حق ما فرض عليها، فالمؤمن هو الذى لا يصبح و لا يمسى إلا على حذر من نفسه معتقدا فيها التقصير و التضجيع فى الطاعة، غير قاطع بصلاحها و سلامة عاقبتها، و قوله «زاريا عليها» أى: عائبا، تقول: زريت عليه أزرى زراية، مثل حكيت أحكى حكاية، إذا عبته، و كذلك تزرى عليه، و قال أبو عمرو: الزارى على الانسان: الذى لا يعده شيئا و ينكر عليه فعله. و قوله «و مستزيدا» أى: طالبا لها الزيادة من طيبات الأعمال
[٤] التقويض: نزع أعمدة الخيمة و أطنابها، و المراد أنهم ذهبوا بمساكنهم و طووا مدة الحياة كما يطوى المسافر منازل سفره، أى: مراحله و مسافاته