نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٥٢ - منها فى صفة الزهاد
الخالية، الّذين احتلبوا درّتها [١]، و أصابوا غرّتها، و أفنوا عدّتها، و أخلقوا جدّتها، [و] أصبحت مساكنهم أجداثا [٢]، و أموالهم ميراثا، لا يعرفون من أتاهم، و لا يحفلون من بكاهم [٣]، و لا يجيبون من دعاهم، فاحذروا الدّنيا، فإنّها غدّارة غرّارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع [٤]، لا يدوم رخاؤها، و لا ينقضى عناؤها، و لا يركد بلاؤها
منها فى صفة الزهاد:
كانوا قوما من أهل الدّنيا و ليسوا من أهلها، فكانوا فيها كمن ليس منها: عملوا فيها بما يبصرون، و بادروا فيها ما يحذرون [٥]، تقلّب أبدانهم بين ظهرانى أهل الآخرة [٦] يرون أهل الدّنيا يعظّمون موت أجسادهم، و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم
[١] الدرة - بالكسر - اللبن، و الغرة - بالكسر - الغفلة، أى: أصابوا منها غفلة فتمتعوا بلذاتها، و أفنوا العدد الكثير من أيامها، و جعلوا جديدها خلقا قديما بطول أعمارهم
[٢] الأجداث: القبور
[٣] يحفلون يبالون
[٤] ما ألبست: إلا نزعت لباسها عمن ألبسته، و «لا يركد» أى: لا يسكن
[٥] بادر المحذور: سبقه فلم يصبه
[٦] «تقلب أبدانهم» أى: تتقلب، أى: إن أبدانهم و هى فى الدنيا تتقلب بين أظهر أهل الآخرة، و «هو بين ظهرانيهم» أى: بينهم حاضرا ظاهرا