نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦ - ١٢٧ - و من خطبة له عليه السّلام فى ذكر المكاييل
مقتضون، أجل منقوص، و عمل محفوظ، فربّ دائب مضيّع [١] و ربّ كادح خاسر. و قد أصبحتم فى زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدبارا، و الشّرّ فيه إلاّ إقبالا، و الشّيطان فى هلاك النّاس إلاّ طمعا. فهذا أوان قويت عدّته [٢] و عمّت مكيدته، و أمكنت فريسته [٣]. اضرب بطرفك حيث شئت من النّاس: هل تبصر إلاّ فقيرا يكابد فقرا، أو غنيّا بدّل نعمة اللّه كفرا، أو بخيلا اتّخذ البخل بحقّ اللّه وفرا، [٤] أو متمرّدا كأنّ بأذنه عن سمع المواعظ وقرا؟ أين خياركم و صلحاؤكم؟ و أحراركم و سمحاؤكم؟ و أين المتورّعون فى مكاسبهم؟ و المتنزّهون فى مذاهبهم؟ أ ليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدّنيا الدّنيّة و العاجلة المنغّصة؟ و هل خلقتم إلاّ فى حثالة [٥] لا تلتقى بذمّهم الشّفتان
[١] الدائب: المداوم فى العمل، و الكادح: الساعى لنفسه بجهد و مشقة، و المراد من يقصر سعيه على جمع حطام الدنيا
[٢] الضمير للشيطان
[٣] «أمكنت الفريسة» أى: سهلت و تيسرت
[٤] «اضرب بطرفك» أى: انظر فى عامة ما يحيط بك من النواحى، و مثله قول الشاعر: -
اضرب بطرفك حيث شئ ت فلن ترى إلاّ بخيلا
و الوفر - بفتح فسكون - المال الكثير. و الوقر - بالقاف المثناة - ثقل الأذن، و قلة سمعها، قال الشاعر: -
أحب الفتى ينفى الفواحش سمعه كأن به عن كل فاحشة وقرا
[٥] الحثالة - بالضم - الردىء من كل شىء، و المراد أقزام الناس، و صغار النفوس