نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٥ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
إليها، مستسلمات فلا أيد تدفع، و لا قلوب تجزع، لرأيت أشجان قلوب [١] و أقذاء عيون، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل، و غمرة لا تنجلى [٢].
و كم أكلت الأرض من عزيز جسد، و أنيق لون، كان فى الدّنيا غذىّ ترف [٣]، و ربيب شرف، يتعلّل بالسّرور فى ساعة حزنه [٤]، و يفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به، ضنّا بغضارة عيشه، و شحاحة بلهوه و لعبه؟! فبينما هو يضحك إلى الدّنيا و تضحك [الدّنيا] إليه فى ظلّ عيش غفول [٥] إذ وطىء الدّهر به حسكه و نقضت الأيّام قواه و نظرت إليه الحتوف من كثب [٦] فخالطه بثّ لا يعرفه، و نجىّ همّ ما كان يجده، و تولّدت فيه فترات
[١] لرأيت: جواب «لو مثلتهم»، و أشجان القلوب: همومها واحدها شجن - بالتحريك - و أقذاء العيون: ما يسقط فيها فيؤلمها
[٢] الغمرة: الشدة
[٣] الأنيق: رائق الحسن، و الغذى: اسم بمعنى المفعول، أى: مغذى بالنعيم، و الربيب: بمعنى المربى، ربه يربه، أى: رباه
[٤] يتشاغل بأسباب السرور ليتلهى بها عن حزنه، و السلوة: انصراف النفس عن الألم بتخيل اللذة «ضنا» أى: بخلا، و غضارة العيش: طيبه
[٥] وصف العيش بالغفلة لأنه إذا كان هنيئا يوجبها، و الحسك: نبات تعلق قشرته بصوف الغنم ورقه كورق الرجلة و أدق، و عند ورقه شوك ملزز صب ذو ثلاث شعب. تمثيل لمس الآلام.
[٦] الحتوف: المهلكات، و أصل الحتف الموت، من كثب - بالتحريك - أى: قرب، أى: توجهت إليه المهلكات على قرب منه، و البث: الحزن، و النجى: المناجى، و خالطه الحزن: مازج خواطره