نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٨ - ٢٢٠ - و من كلام له عليه السّلام
القصد حمدوا إليه طريقه [١] و بشّروه بالنّجاة، و من أخذ يمينا و شمالا ذمّوا إليه الطّريق و حدّروه من الهلكة، و كانوا كذلك مصابيح تلك الظّلمات، و أدلّة تلك الشّبهات، و إنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه: يقطعون به أيّام الحياة، و يهتفون بالزّواجر عن محارم اللّه فى أسماع الغافلين [٢]، و يأمرون بالقسط و يأتمرون به، و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة و هم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه [٣]، و حقّقت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى النّاس، و يسمعون ما لا يسمعون. فلو مثّلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة [٤] و مجالسهم المشهودة، و قد نشروا دواوين أعمالهم، و فرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصّروا عنها، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها،
[١] «أخذ القصد» أى: ركب الاعتدال فى سلوكه
[٢] هتف به - كضرب - صاح و دعا، و هتفت الحمامة: صاتت
[٣] «فى طول الاقامة» حال من أهل البرزخ، و العدات: جمع عدة - بكسر ففتح مخفف - أى: كأنما القيامة كشفت لهم عن الوعود التى وعد بها الأخيار و الأشرار
[٤] مقاوم: جمع مقام، مقاماتهم فى خطاب الوعظ، و الدواوين: جمع ديوان، و هو مجتمع الصحف، و الدفتر: ما يكتب فيه أسماء الجيش و أهل الأعطيات.