نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٦ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
علل آنس ما كان بصحّته [١]، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ [٢] و تحريك البارد بالحارّ، فلم يطفىء ببارد إلاّ ثوّر حرارة، و لا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة، و لا اعتدل بممازج لتلك الطّبائع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء [٣]، حتّى فتر معلّله [٤]، و ذهل ممرّضه، و تعايا أهله بصفة دائه [٥] و خرسوا عن جواب السّائلين عنه، و تنازعوا دونه شجىّ خبر يكتمونه:
فقائل هو لما به [٦] و ممنّ لهم إياب عافيته، و مصبّر لهم على فقده، يذكّرهم أسى الماضين من قبله [٧] فبينما هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا، و ترك الأحبّة، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيّرت نوافذ فطنته [٨]، و يبست
[١] آنس: حال من ضمير «فيه»، و الفترات: جمع فترة، و هى انحطاط القوة، أى: تولد فيه الضعف بسبب العلل حال كونه أشد أنسا بصحته من جميع الأوقات السابقة
[٢] القار: هنا البارد
[٣] أى: ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبائع ليعد لها إلا و ساعد كل طبيعة تولد الداء
[٤] معلل المريض: من يسليه عن مرضه بترجية الشفاء، كما أن ممرضه من يتولى خدمته فى مرضه لمرضه
[٥] «تعايا أهله» أى: اشتركوا فى العجز عن وصف دائه، و اختلف الحاضرون بين يدى المريض فى الخبر المحزن: يكتمونه عنه.
[٦] «هو لما به» أى: هو مملوك لعلته فهو هالك، و الممنى: مخيل الأمنية، و الاياب: الرجوع
[٧] أسى: جمع أسوة
[٨] نوافذ الفطنة: ما كان من أفكار نافذة، أى: مصيبة للحقيقة