نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٧ - ١٨٩ - و من خطبة له عليه السّلام
أحمده على نعمه التّؤام [١]، و آلائه العظام، الّذى عظم حلمه فعفا، و عدل فى كلّ ما قضى، و علم ما يمضى و ما مضى، مبتدع الخلائق بعلمه، و منشئهم بحكمه بلا اقتداء و لا تعليم، و لا احتذاء لمثال صانع حكيم، و لا إصابة خطإ، و لا حضرة ملأ. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ابتعثه و النّاس يضربون فى غمرة [٢] و يموجون فى حيرة. قد قادتهم أزمّة الحين، و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرّين.
أوصيكم - عباد اللّه - بتقوى اللّه فإنّها حقّ اللّه عليكم، و الموجبة على اللّه حقّكم [٣]، و أن تستعينوا عليها باللّه و تستعينوا بها على اللّه، فإنّ التّقوى فى اليوم الحرز و الجنّة، و فى غد الطّريق إلى الجنّة: مسلكها واضح، و سالكها رابح، و مستودعها حافظ [٤]، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين
[١] جمع توءم - كجعفر - و هو المولود مع غيره فى بطن، و هو مجاز عن الكثير، أو المتواصل.
[٢] ضرب فى الماء: سبح، و ضرب فى الأرض بسرعة: أبعد، و الغمرة: الماء الكثير، و الشدة، و المراد هنا إما شدة الفتن و بلاياها، أو شدة الجهل و رزاياه. و الأزمة: جمع زمام، و هو ما تقاد به الدابة، و الحين - بفتح الحاء -: الهلاك، و الرين - بفتح الراء -: التغطية و الحجاب، و هو هنا حجاب الضلال
[٣] جرى فى الكلام على نحو قوله تعالى: (وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ) يريد أن التقوى جعلها اللّه سببا لاستحقاق ثوابه، و معينة على رضائه. و الجنة - بضم الجيم -: الوقاية، و بفتحها دار الثواب.
[٤] مستودع التقوى: هو الذى تكون التقوى وديعة عنده، و هو اللّه.