نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٢ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
أولئكم سلف غايتكم [١] و فرّاط مناهلكم، الّذين كانت لهم مقاوم العزّ، و حلبات الفخر، ملوكا و سوقا، سلكوا فى بطون البرزخ سبيلا [٢] سلّطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، و شربت من دمائهم، فأصبحوا فى فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، و ضمارا لا يوجدون، لا يفزعهم ورود الأهوال، و لا يحزنهم تنكّر الأحوال، و لا يحفلون بالرّواجف، و لا يأذنون للقواصف، غيّبا لا ينتظرون، و شهودا لا يحضرون، و إنّما كانوا جميعا فتشتّتوا، و ألاّفا فافترقوا [٣]، و ما عن طول عهدهم و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم، و صمّت ديارهم [٤]، و لكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا،
[١] سلف الغاية: السابق إليها، و غايتهم: حد ما ينتهون إليه، و هو الموت، و الفراط: جمع فارط، و هو كالفرط - بالتحريك -: متقدم القوم إلى الماء ليهيىء لهم مواضع ما تشرب الشاربة من النهر مثلا، و مقاوم: جمع مقام، و الحلبات: جمع حلبة - بالفتح - و هى الدفعة من الخيل فى الرهان، أو هى الخيل تجتمع للنصرة من كل أوب. و السوق - بضم ففتح - جمع سوقة - بالضم - بمعنى الرعية
[٢] البرزخ: القبر، و الفجوات: جمع فجوة، و هى الفرجة، و المراد منها شق القبر، و «لا ينمون» من النمو و هو الزيادة من الغذاء، و الضمار - ككتاب -: المال لا يرجى رجوعه، و خلاف العيان، و لا يحفلون - بكسر الفاء - أى: لا يبالون و الرواجف: جمع راجفة، و هى الزلزلة توجب الاضطراب، و القواصف: من «قصف الرعد» إذا اشتدت هدهدته، و أذن له: استمع
[٣] ألافا: جمع أليف، أى: مؤتلف مع غيره
[٤] صم يصم - بالفتح فيهما -: خرس عن الكلام، و خرس الديار: عدم صعود الصوت من سكانها