نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٩ - ١٧٦ - و من خطبة له عليه السّلام
و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله المجتبى من خلائقه [١]، و المعتام لشرح حقائقه و المختصّ بعقائل كراماته، و المصطفى لكرائم رسالاته، و الموضّحة به أشراط الهدى [٢] و المجلوّ به غربيب العمى.
أيّها النّاس، إنّ الدّنيا تغرّ المؤمّل لها، و المخلد إليها [٣]، و لا تنفس بمن نافس فيها، و تغلب من غلب عليها. و ايم اللّه ما كان قوم قطّ فى غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها [٤]، لأنّ اللّه ليس بظلاّم للعبيد.
و لو أنّ النّاس - حين تنزل بهم النّقم و تزول عنهم النّعم - فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم و وله من قلوبهم، لردّ عليهم كلّ شارد، و أصلح لهم كلّ فاسد. و إنّى لأخشى عليكم أن تكونوا فى فترة [٥] و قد كانت أمور مضت
[١] المجتبى: المصطفى، و العيمة - بكسر العين -: المختار من المال، و اعتام: أخذها، فالمعتام: المختار لبيان حقائق توحيده و تنزيهه، و العقائل: الكرائم، و الكرامات: ما أكرم اللّه به نبيه من معجزات و منازل فى النفوس عاليات
[٢] أشراط الهدى: علاماته و دلائله، و غربيب الشىء - كعفريت -: أشده سوادا. فغربيب العمى: أشد الضلال ظلمة.
[٣] المخلد: الراكن المائل، و فى التنزيل: (وَ لٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ) و نفس - كفرح -: ضن، أى: لا تضن الدنيا بمن يبارى غيره فى اقتنائها و عدها من نفائسه، و لا تحرص عليه، بل تهلكه
[٤] الغض: الناضر الطرى. و اجترح الذنب: اكتسبه و ارتكبه
[٥] كنى بالفترة عن جهالة الغرور، أو أراد فى فترة من عذاب ينتظر بكم عقابا على انحطاط هممكم و تباطؤكم عن جهاد عدوكم