نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٥ - ١٧٤ - و من خطبة له عليه السّلام
و دعيتم إلى الأمر الواضح، فلا يصمّ عن ذلك إلاّ أصمّ [١] و لا يعمى عن ذلك إلاّ أعمى!! و من لم ينفعه اللّه بالبلاء و التّجارب لم ينتفع بشىء من العظة، و أتاه التّقصير من أمامه [٢] حتّى يعرف ما أنكر و ينكر ما عرف، فإنّ النّاس رجلان: متّبع شرعة، و مبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنّة، و لا ضياء حجّة، و إنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فإنّه حبل اللّه المتين، و سببه الأمين [٣]، و فيه ربيع القلب، و ينابيع العلم، و ما للقلب جلاء [٤] غيره، مع أنّه قد ذهب المتذكّرون، و بقى النّاسون أو المتناسون. فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه، و إذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه، فإنّ رسول اللّه، صلّى اللّه
[١] «يصم» يجوز فيه ضم حرف المضارعة و فتحه، و هما بمعنى واحد، تقول أصمه اللّه فصم يصم - مثل ظل يظل و تقول أيضا: أصمه اللّه فأصم يصم، فذو الهمز يكون لازما و متعديا، و غير ذى الهمز يكون لازما ليس غير
[٢] الاتيان من الامام: كناية عن الظهور، كأن التقصير عدو قوى يأتى مجاهرة لا يخدع، و لا يفر، فيأخذه أخذ العزيز المقتدر، عند ذلك يعرف من الحق ما كان أنكر و ينكر من الباطل ما كان عرف
[٣] جعل القرآن حبل اللّه لأن الحبل ينجو من تعلق به من الهوى المردية و القرآن ينجو من تعلق به من الضلال. و «المتين» القوى، لأنه لا انقطاع له أبدا و تقول: متن الشىء - بضم التاء - أى: صلب و قوى و اشتد
[٤] «ربيع القلب» لأنه يحيا كما تحيا الأنعام برعى الربيع، و الينابيع: جمع ينبوع - بوزان يعفور، بفتح أوله - و هو عين الماء، قال اللّه تعالى: (حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً) و الجلاء - بكسر الجيم - مصدر «جلوت السيف و نحوه» أى: صقله