نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٦ - ١٤٧ - و من كلام له عليه السّلام قبل موته
أفياء أغصان و مهبّ رياح و تحت ظلّ غمام اضمحلّ فى الجوّ متلفّقها و عفا فى الأرض مخطّها [١]، و إنّما كنت جارا جاوركم بدنى أيّاما و ستعقبون منّى جثّة خلاء [٢] ساكنة بعد حراك، و صامتة بعد نطوق. ليعظكم هدوّى و خفوت أطرافى [٣] و سكون أطرافى، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ و القول المسموع. و داعيكم وداع امرىء مرصد للتّلاقى [٤]، غدا ترون أيّامى،
[١] الأفياء: جمع فيىء، و هو الظل ينسخ ضوء الشمس عن بعض الأمكنة، و اضمحل: ذهب، و الميم زائدة، و منه الضحل و هو الماء القليل. و تقول: اضمحل السحاب، أى: تقشع و ذهب، و لغة الكلابيين امضحل - بتقديم الميم - و المتلفق: المنضم بعضه على بعض، و عفا: اندرس و ذهب، و مخطها: مكان ما خطت فى الأرض و ضمير «متلفقها» للغمام، و ضمير «مخطها» للرياح، يريد أنه كان فى حال شأنها الزوال فزالت، و ما هو بالعجيب
[٢] خالية من الروح
[٣] الخفوت: السكون، و تقول: خفت خفوتا، مثل سكن سكونا فى الوزن و المعنى. و تقول: خفت خفاتا - بضم خاء المصدر - إذا مات فجأة، و أطرافه فى الأول: عيناه، و فى الثانى: يداه و رأسه و رجلاه، و قد روى ابن أبى الحديد الأول بالقاف المثناة مكسور الهمزة على أنه مصدر أطرق، و الثانى بالفاء الموحدة و فتح الهمزة أوله على أنه جمع طرف، قال: «و إطراقه: إرخاؤه عينه ينظر إلى الأرض لضعفه عن رفع جفنه. و سكون أطرافه: هى يداه و رجلاه و رأسه» اه
[٤] «وداعيكم» أى: وداعى لكم، و قد وردت الرواية به أيضا، و الاستعمال على أن «وداعى لكم» أو «وداعى إياكم» أكثر من «وداعيكم» لكون العامل اسما، و إن كان مستعملا لانكارة فيه، و مثله قول الشاعر -: لئن كان حبك لى كاذبا لقد كان حبيك حقا يقينا
و «مرصد» أى منتظر: