نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣٣ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
و بالسّمع صمما، و بالحركات سكونا، فكأنّهم فى ارتجال الصّفة صرعى سبات [١]، جيران لا يتآنسون، و أحبّاء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التّعارف [٢]، و انقطعت منهم أسباب الإخاء، فكلّهم وحيد و هم جميع، و بجانب الهجر و هم أخلاّء، لا يتعارفون لليل صباحا، و لا لنهار مساء، أىّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا [٣]، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا، و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة [٤]، فأتت مبالغ الخوف و الرّجاء، فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا [٥]، و لئن عميت آثارهم، و انقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر [٦]، و سمعت عنهم آذان العقول، و تكلّموا من غير جهات النّطق،
[١] ارتجال الصفة: وصف الحال بلا تأمل فالوصف لهم باول النظر يظنهم صرعوا من السبات بالضم أى النوم
[٢] العرى: جمع عروة، و هى مقبض الدلو و الكوز مثلا، و بليت: رثت و فنيت. و المراد زوال نسبة التعارف بينهم
[٣] الجديدان: الليل و النهار، فان ذهبوا فى نهار فلا يعرفون له ليلا، أو فى ليل فلا يعرفون له نهارا
[٤] الغايتان: الجنة و النار، و المباءة: مكان التبوؤ و الاستقرار، و المراد منها ما يرجعون إليه فى الآخرة، و «قد مدت الغاية» أى: أخرت عنه فى الدنيا إلى مرجع يفوق فى سعادته أو شقائه كل غاية سما إليها الخوف و الرجاء.
[٥] عيوا: عجزوا
[٦] رجعت فيهم أبصار العبر: نظرت إليهم بعد الموت نظرة ثانية. و العبر: جمع عبرة