نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٢ - ١٨٤ - و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد،
رهبة و خوفا. فالطّير مسخّرة لأمره، أحصى عدد الرّيش منها و النّفس، و أرسى قوائمها على النّدىّ و اليبس [١]، و قدّر أقواتها، و أحصى أجناسها: فهذا غراب، و هذا عقاب، و هذا حمام، و هذا نعام. دعا كلّ طائر باسمه، و كفل له برزقه، و أنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها [٢] و عدّد قسمها، فبل الأرض بعد جفوفها، و أخرج نبتها بعد جدوبها.
١٨٤ - و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد،
و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة [غيرها]
ما وحّده من كيّفه، و لا حقيقته أصاب من مثّله، و لا إيّاه عنى من شبّهه، و لا صمده من أشار إليه و توهّمه [٣]. كلّ معروف بنفسه مصنوع [٤]، و كلّ
[١] المراد من الندى هنا: مقابل اليبس - بالتحريك - فيعم الماء، كأنه يريد أن اللّه جعل من الطير ما تثبت أرجله فى الماء، و منه من لا يمشى إلا فى الأرض اليابسة
[٢] الهطل - بالفتح -: تتابع المطر و الدمع، و الديم - كالهمم - جمع ديمة: و هى مطر يدوم فى سكون بلا رعد و لا برق، و «تعديد القسم» إحصاء ما قدر منها لكل بقعة. و «جدوب الأرض»: يبسها لاحتجاب المطر عنها
[٣] صمده: قصده، و بابه نصر
[٤] أى: كل معروف الذات بالكنه مصنوع، لأن معرفة الكنه إنما تكون بمعرفة أجزاء الحقيقة. فمعروف الكنه مركب، و المركب مفتقر فى الوجود لغيره، فهو مصنوع.