نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤٠ - منها فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
الدّيّان، و لو فى الصّفا اليابس، و الحجر الجامس [١]، و لو فكّرت فى مجارى أكلها، فى علوها و سفلها، و ما فى الجوف من شراسيف بطنها [٢] و ما فى الرّأس من عينها و أذنها، لقضيت من خلقها عجبا، و لقيت من وصفها تعبا، فتعالى الّذى أقامها على قوائمها، و بناها على دعائمها! لم يشركه فى فطرتها فاطر، و لم يعنه فى خلقها قادر. و لو ضربت فى مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة، لدقيق تفصيل كلّ شىء [٣] و غامض اختلاف كلّ حىّ!! و ما الجليل و اللّطيف، و الثّقيل و الخفيف، و القوىّ و الضّعيف، فى خلقه إلاّ سواء!! و كذلك السّماء و الهواء، و الرّياح و الماء.
فانظر إلى الشّمس و القمر، و النّبات و الشّجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا اللّيل و النّهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة هذه الجبال، و طول هذه
[١] الجامس: الجامد
[٢] الشراسيف: مقاط الأضلاع، و هى أطرافها التى تشرف على البطن، و الواحد شرسوف - بزنة عصفور - أو الشرسوف: غضروف معلق بكل عضو مثل غضروف الكتف، و قال ابن الأعرابى: الشرسوف: رأس الضلع مما يلى البطن، و قال أعشى بأهلة يرثى أخاه لأمه المنتشر بن وهب الباهلى: -
لا يتأرى لما فى القدر يرقبه و لا يعض على شرسوفه الصفر
(لا يتأرى: لا يتحبس. و الصفر: الجوع، و قيل: دابة تعض الضلوع و الشراسيف)
[٣] أى: إن دقة التفصيل فى النملة - على صغرها - و النخلة - على طولها - تدلك على أن الصانع واحد