نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨ - ١٢٩ - و من كلام له عليه السّلام
دنياهم، و خفتهم على دينك، فاترك فى أيديهم ما خافوك عليه، و اهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، و ما أغناك عمّا منعوك! و ستعلم من الرّابح غدا، و الأكثر حسّدا؟؟! و لو أنّ السّموات و الأرض كانتا على عبد رتقا ثمّ اتّقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجا، لا يؤنسنّك إلاّ الحقّ و لا يوحشنّك إلاّ الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك، و لو قرضت منها لأمنوك [١]
١٢٩ - و من كلام له عليه السّلام
أيّتها النّفوس المختلفة، و القلوب المتشتّتة، الشّاهدة أبدانهم، و الغائبة عنهم عقولهم! أظأركم على الحقّ [٢] و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد! هيهات أن أطلع بكم سرار العدل [٣]، أو أقيم اعوجاج الحقّ.
[١] لو قرضت منها جزءا و خصصت به نفسك: أى لو رضيت أن تنال منها.
[٢] أظأركم: أعطفكم، و تقول: ظأرت الناقة أظأرها و هى ناقة مظؤرة، إذا عطفتها على ولد غيرها، و فى أمثالهم «الطعن يظأره» أى: يعطفه على الصلح، و تقول أيضا: ظأرت الناقة تظأر، إذا عطفت على البو، فهو فعل يتعدى و يلزم. و الوعوعة: الصوت و كذلك الوعواع
[٣] السرار - كسحاب و كتاب - فى الأصل: آخر ليلة من الشهر، و المراد الظلمة، أى أن أطلع بكم شارفا يكشف عما عرض على العدل من الظلمة، كما يدل على هذا قوله «و أقيم اعوجاج الحق» فان الحق لا اعوجاج فيه و لكن قوما خلطوه بالباطل فهذا ما أصابه من اعوجاج. قال ابن أبى الحديد: و يمكن عندى أن يفسر على وجه آخر، و هو أن يكون السرار ههنا بمعنى السرر، و هى خطوط مضيئة فى الجبهة، و قد نص أهل اللغة على أنه يجوز فيها سرر و سرار، فيكون معنى كلامه عليه السّلام: هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل و تنجلى أرصاده، و يبرق وجهه. و يمكن فيه وجه آخر، و هو أن ينصب سرار ههنا على الظرفية و يكون التقدير: هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسرار العدل و استخفائه، و فيه حذف المفعول، و حذفه أكثر من أن يرشد إليه