نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٧٩ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم، حين بعث إليهم رسولا [١] فعقد بملّته طاعتهم، و جمع على دعوته ألفنهم، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها، و أسالت لهم جداول نعيمها، و التفّت الملّة بهم فى عوائد بركتها [٢]، فأصبحوا فى نعمتها غرقين، و فى خضرة عيشها فكهين [٣]؟! قد تربّعت الأمور بهم [٤] فى ظلّ سلطان قاهر، و آوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب، و تعطّفت الأمور عليهم فى ذرى ملك ثابت، فهم حكّام على العالمين، و ملوك فى أطراف الأرضين: يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم، و يمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم، لا تغمز لهم قناة [٥]، و لا تقرع لهم صفاة!!
ألا و إنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطّاعة، و ثلمتم حصن اللّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة [٦]، و إنّ اللّه - سبحانه - قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة
[١] هو نبينا صلى اللّه عليه و آله و سلم
[٢] يقال «التف الحبل بالحطب» إذا جمعه، فملة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم جمعتهم بعد تفرقهم و جعلتهم جميعا فى بركاتها العائدة إليهم
[٣] راضين طيبة نفوسهم
[٤] تربعت: أقامت
[٥] هذا و ما بعده كناية عن القوة و الامتناع من الضيم، و القناة: الرمح، و غمزها: جسها باليد لينظر هل هى محتاجة للتقويم و التعديل فيفعل بها ذلك. و الصفاة: الحجر الصلد، و قرعها: صدمها لتكسر
[٦] ثلمتم: خرقتم. و قوله «بأحكام الجاهلية» متعلق بثلمتم