نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٥ - ١٨٨ - و من خطبة له عليه السّلام
صراطها. و كأنّها قد أشرفت بزلازلها، و أناخت بكلاكلها [١] و انصرمت الدّنيا بأهلها، و أخرجتهم من حضنها، فكانت كيوم مضى، أو شهر انقضى، و صار جديدها رثّا [٢] و سمينها غثّا، فى موقف ضنك المقام، و أمور مشتبهة عظام، و نار شديد كلبها [٣]، عال لجبها، ساطع لهبها، متغيّظ زفيرها، متأجّج سعيرها، بعيد خمودها، ذاك وقودها، مخيف وعيدها، غمّ قرارها [٤]، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها (وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً) قد أمن العذاب، و انقطع العتاب، و زحزحوا عن النّار، و اطمأنّت بهم الدّار، و رضوا المثوى و القرار، الّذين كانت أعمالهم فى الدّنيا زاكية، و أعينهم باكية، و كان ليلهم فى دنياهم نهارا تخشّعا و استغفارا، و كان نهارهم ليلا توحّشا و انقطاعا [٥] فجعل اللّه لهم الجنّة مآبا، و الجزاء ثوابا، و كانوا
[١] الكلاكل: الصدور، كناية عن الأثقال
[٢] الرث: البالى، و الغث: المهزول
[٣] الكلب - محركا -: أكل بلا شبع، و اللجب: الصياح، أو الاضطراب، و التغيظ: الهيجان، و الزفير: صوت توقد النار، و ذكت النار: اشتد لهيبها
[٤] «غم» صفة من «غمه» إذا غطاه، أى: مستور قرارها المستقر فيه أهلها و يروى «عم» بالعين المهملة، من «عمى»
[٥] لا يريد من التوحش النفرة من الناس و الجفوة فى معاملتهم، بل يريد عدم الاستئناس بشؤون الدنيا و الركون إليها.