نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣١ - ٢١٩ - و من كلام له عليه السّلام
سكنت، و لأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا، و لأن يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة [١]!! لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة [٢] و ضربوا منهم فى غمرة جهالة، و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية [٣] و الرّبوع الخالية، لقالت ذهبوا فى الأرض ضلاّلا، و ذهبتم فى أعقابهم جهّالا، تطأون فى هامهم [٤]، و تستثبتون فى أجسادهم و ترتعون فيما لفظوا، و تسكنون فيما خرّبوا، و إنّما الأيّام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم [٥]
[١] أحجى: أقرب للحجى، أى: العقل، فان موت الآباء دليل الفناء، و من عاقبته فناء كيف يفتخر
[٢] العشوة - مثلث العين - ركوب الأمر على غير بيان، و بفتح العين ليس غير: الظلمة. و أما سوء البصر فعشا - بالقصر -
[٣] الخاوية: المتهدمة، و الربوع: المساكن، و الضلال - كعشاق -: جمع ضال
[٤] جمع هامة: أعلى الرأس و «تستثبتون» أى: تحاولون إثبات ما تثبتون من الأعمدة و الأوتاد و الجدران فى أجسادهم لذهابها ترابا و امتزاجها بالأرض التى تقيمون فيها ما تقيمون، و يروى «و تستنبتون فى أجسادهم» أى: تزرعون النبات فى أجسادهم، و ذلك لأن أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الموتى فالزرع لا محالة يكون ثابتا فى الأجزاء الترابية التى هى أبدان الحيوانات، و ترتعون: تأكلون و تتلذذون بما لفظوه، أى: طرحوه و تركوه
[٥] بواك: جمع باكية، و نوائح: جمع نائحة، و بكاء الأيام على السابقين و اللاحقين حفظها لما يكون من مصابهم