نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٣ - ٢٠٧ - و من كلام له عليه السّلام
٢٠٧ - و من كلام له عليه السّلام
بالبصرة، و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثى - و هو من أصحابه –
يعوده، فلما رأى سعة داره قال:
ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار فى الدّنيا؟ أما أنت إليها فى الآخرة كنت أحوج؟! و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقرى فيها الضّيف، و تصل فيها الرّحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها [١] فإذا أنت [قد] بلغت بها الآخرة
فقال له العلاء. يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخى عاصم بن زياد. قال: و ما له؟ قال: لبس العباءة و تخلى عن الدنيا. قال: علىّ به، فلما جاء قال:
يا عدىّ نفسه [٢] لقد استهام بك الخبيث، أ ما رحمت أهلك و ولدك، أ ترى اللّه أحلّ لك الطّيّبات و هو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على اللّه من ذلك!
قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت فى خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك! قال:
ويحك، إنّى لست كأنت، إنّ اللّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس. كيلا يتبيّغ بالفقير فقره [٣]
[١] أطلع الحق مطلعه: أظهره حيث يحب أن يظهر
[٢] عدى: تصغير عدو، و فى هذا الكلام بيان أن لذائذ الدنيا لا تبعد العبد عن اللّه لطبيعتها، و لكن لسوء القصد فيها
[٣] «يقدروا أنفسهم» أى: يقيسوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغنى فى الاقتصاد، و صرف الأموال فى وجوه الخير و منافع العامة، و تسلية الفقير على فقره، حتى لا يتبيغ - أى: يهيج به ألم الفقر فيهلكه - و قد روى المعنى بتمامه بل بأكثر تفصيلا عنه كرم اللّه وجهه فى عبارة أخرى