نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٣ - منها فى ذكر القرآن
أعدّ اللّه للمطيعين منهم و العصاة من جنّة و نار و كرامة و هوان.
أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه [١]، و جعل لكلّ شىء قدرا، و لكلّ قدر أجلا، و لكلّ أجل كتابا.
منها: [فى ذكر القرآن]: فالقرآن آمر زاجر، و صامت ناطق، حجّة اللّه على خلقه: أخذ عليهم ميثاقه، و ارتهن عليه أنفسهم [٢]، أتمّ نوره، و أكمل به دينه، و قبض نبيّه، صلّى اللّه عليه و آله، و قد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به، فعظّموا منه سبحانه ما عظّم من نفسه، فإنّه لم يخف عنكم شيئا من دينه، و لم يترك شيئا رضيه أو كرهه، إلاّ و جعل له علما باديا، و آية محكمة
[١] أى: كما طلب من خلقه أن يحمدوه
[٢] جعل القرآن آمرا زاجرا لما كان اللّه تعالى آمرا به زاجرا، فأسند الأمر و الزجر إليه كما تقول سيف قاطع و قاتل، و إنما القاطع و القاتل الضارب به، و جعله صامتا ناطقا باعتبارين، فانه من حيث هو حروف و أصوات صامت، إذ كان يستحيل أن تكون الحروف ناطقة، و هو من حيث تضمنه الاخبار و الأمر و النهى و النداء و غير ذلك من أقسام الكلام التى ينطق بها كأنه ناطق، لأنه الفهم يقع عنده، و هذا من باب المجاز، كما تقول: هذه ربوع ناطقة، و أخبرتنى الديار بعد رحيلهم كذا، و ما أشبه ذلك، و قوله «ارتهن عليه أنفسهم» حبس نفوسهم فى ضنك المؤاخذة حتى يؤدوا حق القرآن من العمل به، فان لم يفعلوا لم يخلصوا بل يهلكوا.