نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٦ - ١٥١ - و من خطبة له عليه السّلام
نطق، أو تخوّف من صدق. فأفق أيّها السّامع من سكرتك، و استيقظ من غفلتك! و اختصر من عجلتك [١]، و أنعم الفكر فيما جاءك على لسان النّبىّ الأمّىّ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ممّا لا بدّ منه، و لا محيص [٢] عنه، و خالف من خالف ذلك إلى غيره، و دعه و ما رضى لنفسه، و ضع فخرك، و احطط كبرك، و اذكر قدرك، فإنّ عليه ممرّك، و كما تدين تدان، و كما تزرع تحصد، و كما قدّمت اليوم تقدم عليه غدا، فامهد لقدمك [٣] و قدّم ليومك.
فالحذر الحذر أيّها المستمع، و الجدّ الجدّ أيّها الغافل (وَ لاٰ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)
إنّ من عزائم اللّه فى الذّكر الحكيم الّتى عليها يثيب و يعاقب، و لها يرضى و يسخط، أنّه لا ينفع عبدا - و إن أجهد نفسه و أخلص فعله - أن يخرج من الدّنيا لاقيا ربّه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك باللّه فيما افترض عليه من عبادته، أو يشفى غيظه بهلاك نفس، أو يعرّ بأمر فعله
[١] أى: لا تكن عجلتك شديدة، بل إذا كانت لك عجلة فلتكن شيئا يسيرا. و قوله «أنعم الفكر الخ» معناه دقق بفكرك و أصل هذه العبارة قولك «أنعمت سحق الحجر» و من الناس من يجعل «أنعم» مقلوبا عن «أمعن»
[٢] «لا محيص عنه» أى: لا مفر و لا مهرب منه، تقول: حاص عنه يحيص - من باب باع - حيصا و حيوصا و محيصا و محاصا و حيصانا، أى: عدل و حاد و هرب
[٣] مهد - كمنع - بسط. و أصله من «مهد الفراش» إذا بسطه و وطأه. و تمهيد الأمور تسويتها و إصلاحها. و تمهيد العذر: بسطه و قبوله