نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٥ - ١٥٨ - و من خطبة له عليه السّلام
يأكل على الأرض، و يجلس جلسة العبد، و يخصف بيده نعله [١] و يرقع بيده ثوبه، و يركب الحمار العارى، و يردف خلفه، و يكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول: يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيّبيه عنّى، فإنّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها [٢] فأعرض عن الدّنيا بقلبه، و أمات ذكرها من نفسه، و أحبّ أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتّخذ منها رياشا [٣]، و لا يعتقدها قرارا، و لا يرجو فيها مقاما، فأخرجها من النّفس، و أشخصها عن القلب [٤] و غيّبها عن البصر، و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه، و أن يذكر عنده.
و لقد كان فى رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ما يدلّك على مساوى الدّنيا و عيوبها، إذ جاع فيها مع خاصّته [٥] و زويت عنه زخارفها مع عظيم
[١] خصف النعل: خرزها. و الحمار العارى: ما ليس عليه برذعة و لا إكاف، و أردف خلفه: أركب معه شخصا آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها و جعله خلفه
[٢] فى هذا دليل على أن الرسم على الورق و الأثواب و نحوها لا يمنع استعماله، و إنما يتجافى عنه بالنظر تزهدا و تورعا
[٣] الرياش: اللباس الفاخر
[٤] أشخصها: أبعدها
[٥] خاصته: اسم فاعل فى معنى المصدر، أى: مع خصوصيته و فضله عند ربه و عظيم الزلفة: منزلته العليا من القرب إلى اللّه، و «زوى الدنيا عنه» قبضها و أبعدها