نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٣ - ١٥٨ - و من خطبة له عليه السّلام
و قد كان فى رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله، كاف لك فى الأسوة [١] و دليل [لك] على ذمّ الدّنيا و عيبها، و كثرة مخازيها و مساويها [٢]، إذ قبضت عنه أطرافها، و وطّئت لغيره أكنافها [٣] و فطم عن رضاعها، و زوى عن زخارفها، و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه، صلّى اللّه عليه و آله، إذ يقول: (رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) و اللّه ما سأله إلاّ خبزا يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض. و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله و تشذّب لحمه [٤] و إن شئت ثلّثت بداود، صلّى اللّه عليه و سلّم، صاحب المزامير، و قارئ أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائف الخوض بيده [٥] و يقول لجلسائه: أيّكم يكفينى بيعها؟! و يأكل قرص الشّعير من ثمنها، و إن شئت قلت فى عيسى ابن مريم، عليه السّلام، فلقد كان يتوسّد
[١] الأسوة: القدوة
[٢] المخازى: جمع مخزاة، و هى الأمر يستحى من ذكره لقبحه، و المساوى: العيوب، جمع مساءة، و تقول: ساءه يسوءه. سوءا و مساءة و مسائية
[٣] الأكناف: الجوانب، و «زوى» أى: قبض
[٤] الصفاق - ككتاب - هو الجلد الأسفل تحت الجلد الذى عليه الشعر، أو هو ما بين الجلد و المصران، أو جلد البطن كله. و شفيفه: رقيقه الذى يشف عما وراءه و التشذب: التفرق و انهضام اللحم فتحلل الأجزاء و تفرقها
[٥] السفائف: جمع سفيفة، و هى وصف من «سف الخوص» إذا نسجه، أى: منسوجات الخوص