نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٤١ - منها فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات
القلال [١]، و تفرّق هذه اللّغات، و الألسن المختلفات، فالويل لمن جحد المقدّر، و أنكر المدبّر. زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع، و لا لاختلاف صورهم صانع! و لم يلجأوا إلى حجّة فيما ادّعوا [٢]، و لا تحقيق لما أوعوا، و هل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان؟
و إن شئت قلت فى الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، و أسرج لها حدقتين قمراوين [٣]، و جعل لها السّمع الخفىّ، و فتح لها الفم السّوىّ، و جعل لها الحسّ القوىّ، و نابين بهما تقرض و منجلين بهما تقبض [٤] يرهبها الزّرّاع فى زرعهم، و لا يستطيعون ذبّها [٥]، و لو أجلبوا بجمعهم، حتّى ترد الحرث فى نزواتها [٦] و تقضى منه شهواتها! و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة فتبارك اللّه الّذى يسجد له من فى السّموات و الأرض طوعا و كرها، و يعنو له خدّا و وجها، و يلقى إليه بالطّاعة سلما و ضعفا، و يعطى له القياد
[١] القلال: جمع قلة - بالضم - و هى رأس الجبل.
[٢] «لم يلجأوا»: لم يستندوا، و «أوعاه» كوعاه، بمعنى حفظه
[٣] أى: مضيئتين كأن كلا منهما ليلة قمراء أضاءها القمر
[٤] المنجل - كمنبر -: آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع. قالوا: أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما و خشونتهما
[٥] دفعها
[٦] «نزواتها» أى: و ثباتها، و تقول: نزا عليه، أى: وثب، و بابه عدا، و جاء المصدر على نزوان - بحركات - أيضا