نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٤ - ١٥٨ - و من خطبة له عليه السّلام
الحجر و يلبس الخشن، [و يأكل الجشب] و كان إدامه الجوع، و سراجه باللّيل القمر، و ظلاله فى الشّتاء مشارق الأرض و مغاربها [١]، و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، و لم تكن له زوجة تفتنه، و لا ولد يحزنه و لا مال يلفته، و لا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، و خادمه يداه.
فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر [٢] صلّى اللّه عليه و آله، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، و عزاء لمن تعزّى، و أحبّ العباد إلى اللّه المتأسّى بنبيّه، و المقتصّ [٣] لأثره: قضم الدّنيا قضما [٤] و لم يعرها طرفا، أهضم أهل الدّنيا كشحا [٥] و أخمصهم من الدّنيا بطنا، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها، و علم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، و حقر شيئا فحقره، و صغّر شيئا فصغّره، و لو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض اللّه و رسوله، و تعظيمنا ما صغّر اللّه و رسوله، لكفى به شقاقا للّه، و محادّة عن أمر اللّه [٦] و لقد كان، صلّى اللّه عليه و آله و سلم،
[١] ظلاله: جمع ظل، بمعنى الكن و المأوى. و من كان كنه المشرق و المغرب فلا كن له
[٢] «تأس» أى: اقتد
[٣] المقتص لأثره: المتتبع له، و منه قوله تعالى: (وَ قٰالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ)
[٤] القضم: الأكل بأطراف الأسنان، كأنه لم يتناول منها إلا على اطراف أسنانه لم يملأ منها فمه، أو بمعنى أكل اليابس
[٥] «أهضم» من «الهضم» و هو خمص البطن، أى: خلوها و انطباقها من الجوع، و الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفى، و أخمصهم: أخلاهم
[٦] المحادة: المخالفة فى عناد