نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٨٥ - ١٩١ - و من خطبة له عليه السّلام
١٩١ - و من خطبة له عليه السّلام
روى أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام - يقال له: همام - كان رجلا عابدا، فقال له: يا أمير المؤمنين، صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم! فتثاقل عليه السلام عن جوابه، ثم قال: يا همّام اتّق اللّه و أحسن ف (إِنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فلم يقنع همام بهذا بهذا القول حتى عزم عليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبى صلّى اللّه عليه و آله، ثم قال:
أمّا بعد، فإنّ اللّه سبحانه و تعالى خلق الخلق - حين خلقهم - غنيّا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، و لا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم، و وضعهم من الدّنيا مواضعهم، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصّواب، و ملبسهم الاقتصاد [١]، و مشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، و وقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزّلت أنفسهم منهم فى البلاء كالّتى نزّلت فى الرّخاء [٢]، و لو لا الأجل الّذى
[١] «ملبسهم - الخ» أى: إنهم لا يأتون من شهواتهم إلا بقدر حاجاتهم فى تقويم حياتهم، فكان الانفاق كثوب لهم على قدر أبدانهم، لكنهم يتوسعون فى الخيرات
[٢] «نزلت إلى - الخ» أى إنهم إذا كانوا فى بلاء كانوا بالأمل فى اللّه كأنهم كانوا فى رخاء، لا يجزعون و لا يهنون، و إذا كانوا فى رخاء كانوا من خوف اللّه و حذر النقمة كأنهم فى بلاء، لا يبطرون و لا يتجبرون.