نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٨ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه [و أوليائه]، و لكنّه - سبحانه - كرّه إليهم التّكابر، و رضى لهم التّواضع، فألصقوا بالأرض خدودهم، و عفّروا فى التّراب وجوههم، و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين، و كانوا أقواما مستضعفين و قد اختبرهم اللّه بالمخمصة [١]، و ابتلاهم بالمجهدة، و امتحنهم بالمخاوف، و مخضهم بالمكاره، فلا تعتبروا الرّضا و السّخط بالمال و الولد [٢] جهلا بمواقع الفتنة، و الاختبار فى مواضع الغنى و الاقتدار، و قد قال سبحانه و تعالى (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمٰا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مٰالٍ وَ بَنِينَ نُسٰارِعُ لَهُمْ فِي اَلْخَيْرٰاتِ بَلْ لاٰ يَشْعُرُونَ) فإنّ اللّه - سبحانه - يختبر عباده المستكبرين فى أنفسهم، بأوليائه المستضعفين فى أعينهم
و لقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون، عليهما السّلام، على فرعون و عليهما مدارع الصّوف و بأيديهما العصىّ فشرطا له إن أسلم بقاء
[١] المخمصة: الجوع، و المجهدة: المشقة. و مخض اللبن: تحريكه ليخرج زبده و بابه قطع و نصر و ضرب. و المكاره تستخلص إيمان الصادقين و تظهر مزاياهم العقلية و النفسية. و روى «محصهم» - بالحاء و الصاد المهملتين - أى: طهرهم و زكاهم. و أصل المحص و التمحيص تخليص الشىء مما فيه من عيب، تقول: محصت الذهب - مخففا و مشددا - إذا أزلته عنه ما يشوبه. و فى التنزيل: (وَ لِيُمَحِّصَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا)
[٢] لا تجعلوا كثرة الأولاد و وفرة الأموال دليلا على رضا اللّه، و النقص فيهما دليلا على سخطه، فقد يكون الأول فتنة و استدراجا، و الثانى محنة و ابتلاء