نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٦٩ - ١٩٠ - و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة ١
ملكه و دوام عزّه فقال: «أ لا تعجبون من هذين يشرطان لى دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ، فهلاّ ألقى عليهما أساور من ذهب؟!» إعظاما للذّهب و جمعه، و احتقارا للصّوف و لبسه. و لو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان [١] و معادن العقيان، و مغارس الجنان، و أن يحشر معهم طير السّماء و وحوش الأرض لفعل، و لو فعل لسقط البلاء [٢] و بطل الجزاء، و اضمحلّت الأنباء، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين، و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء معانيها [٣] و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله أولى قوّة فى عزائمهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى [٤]
[١] الذهبان - بضم الذال -: جمع ذهب، و العقيان نوع من الذهب ينمو فى معدنه
[٢] لو كان الأنبياء بهذه السلطة لخضع لهم الناس كافة بحكم الاضطرار، فسقط البلاء - أى: ما به يتميز الخبيث من الطيب - و لم يبق محل للجزاء على خير أو شر، فان الفعل اضطرارى. و بذلك تضمحل أخبار السماء بالوعد و الوعيد، لعدم الحاجة، ثم لا يكون للقابلين دعوة الأنبياء أجور المبتلين - أى: الممتحنين بالشدائد - الصابرين على المكاره، لاستوائهم مع من قبل بالسطوة
[٣] فان الخضوع بالرهبة يسمى إذ ذاك إيمانا، مع أن الايمان فى الحقيقة هو الاذعان و التصديق، فلا يكون معنى الاسم لازما له
[٤] خصاصة: فقر و حاجة، و الخصاص - كسحاب - مثله