فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٠ - دراسات مقارنة في فقه القرآن - إرث الأنبياء /١ الشيخ خالد الغفوري
واستدلّ له بما يلي :
١ ـ إنّ هذا هو الأنسب بمقام النبوة، فإنّ زكريا لم يرد بقوله: {يَرِثُنِي } المال؛ لأنّ نبي الله لايجوز أن يأسف على مصير ماله بعد موته إلى مستحقه، وإنّه إنّما خاف أن يستولي بنو أعمامه على علومه وكتابه فيحرّفونها ويستأكلون بها فيفسدون دينه ويصدّون الناس عنه (٤٥)أو خاف أن تخرج النبوة عن عقبه.
وكان رجاء زكريا (عليه السلام) ربّه في الولد لوجهين: لإظهار دينه وإحياء نبوته ومضاعفة أجره في ولد صالح نبي بعده ولم يسأله للدنيا، ولأنّ ربّه كان قد عوّده الاجابة؛ وذلك لقوله تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً } (٤٦)، وهذه وسيلة حسنة أن يتشفّع إليه بنعمه ويستدرّ فضله بفضله (٤٧).
ولا مانع من استعمال الوراثة بهذا المعني ؛ فإنّها کما تطلق علي وراثة المال تطلق أيضاً علي وراثة الاُمور المعنوية المذکورة ، نظير قوله تعالي : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } (٤٨)، فکما يجوز أن يخاف زکريا (عليه السلام) من بني عمّه أن يرثوا ماله فکذلك يجوز أنّه خاف أن يرثوا علمه وهم من أهل الفساد (٤٩).
٢ ـ لقد وردت بعض الأحاديث الدالّة على كون المراد من وراثة الأنبياء في النبوة والعلم ونحوهما ، من قبيل : «إنّ العلماء ورثة الأنبياء ؛ وذلك إنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنّما اورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً، فانظروا علمكم عمّن تأخذونه ... » (٥٠). وكلمة ( إنّما ) مفيدة للحصر قطعاً ، فيعلم أنّ الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديث .
(٤٥) المصدر السابق ٣:٣٢١.
(٤٦) مريم : ٤ .
(٤٧) ابن العربي ، محمد بن عبد الله ، أحکام القرآن ٣:١٢٥١.
(٤٨) فاطر : ٣٢ .
(٤٩) برّاج، جمعة محمّد محمّد ، أحكام الميراث في الشريعة الاسلامية ، دار يافا العلمية ـ عمان / ١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م :٢٦٨.
(٥٠) الكليني ، محمّد بن يعقوب ، الكافي ١ : ٣٢ ، ح ٢ . الصدوق ، محمد بن علي بن بابويه ، الأمالي ، مؤسسة البعثة ـ قم ، ط ١ / ١٤١٧ هـ : ١١٦ ، ح ٩ . القزويني ، محمد بن يزيد ، سنن ابن ماجه ، دار الفکر / بدون تاريخ ، ١ : ٨١ ، ح ٢٢٤ . الترمذي ، محمد بن عيسي ، سنن الترمذي ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت / ١٣٧٥ هـ = ١٩٣٨ م ، ٤ : ١٥٣ ، ح ٢٨٢٣ . الهيثمي ، علي بن أبي بکر ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، دار الفکر ـ بيروت / ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م ، ١ : ١٢٦ .