تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٢ - الفصل الثالث في أن جميع المعارف الربوبية و المسائل المعتبرة في علم التوحيد ينشعب من هذين الأصلين
و أما ما فرّعه بعض الفضلاء على قيّوميته تعالى من حدوث العالم [١]- و وجّه ذلك بأنه لمّا كان قيّوما لكل ما سواه، كان كلّ ما سواه محدثا، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقائه- لأن تحصيل الحاصل محال- فإما حال عدمه أو حال حدوثه، و على التقديرين وجب أن يكون الكل حادثا- محل نظر، إذ قد تبيّن في مقامه أن الممكن مفتقر إلى العلّة، و علّة افتقاره إليها هي من جهة إمكانه، لا من جهة حدوثه شرطا أو شطرا أو استقلالا، و الإمكان حاصل للممكن دائما ما دام ذاته، لأنه من لوازمه البيّنة، بخلاف الحدوث، و إذا كانت العلّة دائمة كان المعلول دائما، فالافتقار إلى المرجّح ثابت للممكن حين بقائه كما هو ثابت له حين حدوثه، فالعلّة مؤثرة في رجحان وجود الممكن على عدمه حدوثا و بقاء.
و أما حديث تحصيل الحاصل: فالحق أن المحدث تحصيله بتحصيل ثان لا بنفس هذا التحصيل، إذ لا محذور فيه، بل العليّة لا ينفك عنه، على أن السبب المؤثر في الشيء حدوثا و بقاء أقوى في السببيّة و أولى باسم السبب ممّا يكون أثره نفس الحدوث دون الدوام، على أن العليّة ليست إلا مجرّد الاستتباع في الوجود، كحال النيّر و الضوء الحاصل منه في الأجسام القابلة، لا كنسبة ذات الكاتب و كتابته، بل كنسبة المتكلم و كلامه.
و العجب أن أصحاب هذا الفاضل مما صرّحوا القول بأن الباري سبحانه لو جاز العدم عليه بعد إحداث العالم لما ضرّ عدمه وجود العالم. و هذا غاية الجهل و الفساد في النفس، حيث ارتكب هذا القول الشنيع و الظلم الفظيع، و غفلت عن أن المعلول ليس وجوده إلا لمعة فائضة من المبدأ الأعلى، أو ظلا حاصلا عن السبب الأقصى، و إنما حداهم إلى هذا القول القبيح، و الظلم
[١] فخر الدين الرازي في تفسيره: ١/ ٤٦٤.