نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧
وتتضمّن الآية الخامسة حتّى التاسعة من آيات البحث حديثاً عن هذا المضمون :
( ولئن سألتهم مَن خلق السموات والأرض ليقولنّ خلقهنّ العزيز العليم ) .
وأيضاً : ( ولئن سألتهم مَن خلقهم ليقولنّ الله ) .
وأيضاً : ( ق مَن يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميّت ويخرج الميّت من الحي ومن يدبّر الأمر فسيقولون الله ) .
ولو انّهم ـ عبدة الأوثان ـ سألوا عن خلق كلّ فرد من المخلوقات وتدبير اُمورها فانّهم يقرّون بأنّ الله وحده هو الخالق والمدبّر !!
انّ هذه الآيات القرآنية وأمثالها(١) من التعابير الحيّة عن التوحيد الفطري ، ومن الممكن أن تكون هذه الإجابة المتناسقة نتيجة للإستدلال العقلي أيضاً وذلك عن طريق برهان النظم ، ولكن بملاحظة انّ المشركين العرب اُناسٌ اُمّيون وبعيدون عن العلم والفكر والإستدلال ، فانّ هذا التناسق في الإجابة يدلّ على انّها كانت تنبع من فطرتهم وهم في ذلك سواء وبدون استثناء ، وإلاّ فانّ الإستدلالات العقلية مهما كانت واضحة فانّها لا يمكن أن تكون شاملة وعامّة إلى هذه الدرجة وخاصّة بين جماعة بعيدة عن العلم والفكر .
من هنا فانّا نعتقد انّ الآيات الخمس أو أمثالها تشكّل أدلّة على التوحيد الفطري .
ولذا يقول صاحب تفسير ( روح البيان ) في ذيل الآية ٩ من سورة الزخرف :
" وفي الآية إشارة إلى انّ في جبلة الإنسان معرفة لله مركوزة "(٢).
وفي تفسير ( الفخر الرازي ) في ذيل الآية ٨٧ من سورة الزخرف عرض لهذا المضمون على صورة سؤال وجواب فيقول ( ظنّ قوم أنّ هذه الآية وأمثالها في القرآن تدلّ على أنّ القوم مضطرون إلى الإعتراف بوجود الإله للعالم ، وقوم
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ الآية ٦٣ من سورة العنكبوت ، والآية ٢٥ سورة لقمان ، والآية ٣٨ سورة الزمر .
٢ ـ روح البيان : ج٨ ، ص٣٥٣ ، وفي ذيل الآية ٨٧ من سورة الزخرف أيضاً إشارة إلى هذا المعنى أيضاً .