موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٣٣٠ - أسلام عبد اللّه فيلبي
.. و منذ أيامي الأولى في الهند انجذبت الى الأسلام انجذابا تاما لتأكيده الشديد على ما كان يبدو لي صالحا من الفلسفة و أساليب الحياة. و كنت قد تخليت عن المسيحية منذ مدة طويلة لأكون فيلسوفا ليس له حس ديني خاص او اقتناع بأي دين من الأديان، مع أنني كنت أعترف بأن الدين في حد ذاته يعد ضرورة لا مناص منها للسواد الأعظم من البشر. و كان الاسلام في الهند من جهة أخرى يبدو لي أنه قد حمّل بأكثر مما يجب من المبادىء و الطقوس غير الأساسية التي كان يصعب قبولها من دون تحفظ و احتراز زائد. و قد وجدت أهل السنة في العراق على شيء غير يسير من الضحالة و على جانب كبير من الرسميات في ممارسة الدين او التفكير به، بينما لم تجذبني العقيدة الشيعية بقديسيها و علمائها الأصوليين.
و لذلك لم تتح لي الفرصة للاتصال بما كنت أعتقد أنه الشكل البقي الطاهر من الأسلام الا عندما ذهبت الى جزيرة العرب، التي ألفيت فيها ذلك الأسلام الذي يستمد تعاليمه بالكلية من منابع وحيه الأصلية في القرآن و سنة النبي الأعظم، من دون ان يمت بشيء من الصلة الى ما طرأ على التعاليم الأصلية من تفسير و تأويل بعد ذلك. و قد لاح لي بعد درس عميق ان العقيدة الوهابية هي الشكل المثالي للدين، و ان تعصب أتباعها لم يكن مكروها في نظري أنا. ذلك لأنني وجدت عند الوهابيين مزية غير موجودة عند غيرهم، و هي أنهم يمارسون ما يعتقدون به و يدعون اليه بصراحة، و ان عقيدتهم تبدو متفقة تمام الاتفاق مع ما تتطلبه حياة الأنسان و المجتمع البشري بأبسط أشكالهما. و هي عقيدة يستطيع المرء ان يتقبلها بسهولة، و يتخذها دليلا في حياته و مسلكه من دون ان تستولي عليه ذهنية عدم النزاهة في الفكر. كما أن مقاييسها الاخلاقية تناسب، على ما يبدو، حاجات البشر الأساسية أحسن مما تناسبها الديانات الأخرى كالمسيحية مثلا. و لئن كان تشريعها قاسيا من بعض الوجوه، فهي لا تقر الزيف، اما تعدد الزوجات الذي تقره و تعترف به، و الذي كثيرا ما كان هدفا