موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٢٢ - ذكر ما خص اللّه تعالى به مكة من الخيرات و البركات
يجنى و يؤكل، و هو في نهاية من الطيب و اللذاذة، لا يسأم التفكه به، و إبّانه عندهم عظيم، يخرج الناس اليه كخروجهم الى الضيعة او كخروج اهل المغرب لقراهم ايام نضج التين و العنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلال و الظّروف و يرفع.
و من صنع اللّه الجميل لنا و فضله العميم علينا أنّا وصلنا الى هذه البلدة المكرمة فألفينا كلّ من بها من الحجاج المجاورين ممّن قدم عهده فيها و طال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرّابة المتلصّصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم و الذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين إلا اختلس من يديه او من وسطه بحيل عجيبة و لطافة غريبة، فما منهم إلا احذّ يد القميص، فكفى اللّه في هذا العام شرهم إلا القليل، و أظهر أمير البلد التشديد عليهم فتوقف شرّهم، و بطيب هوائها في هذا العام، و فتور حمارة قيظها المعهود فيها، و انكسار حدّة سمومها، و كنّا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه الى دثار يقينا منه. و ذلك مستغرب بمكة.
و كانوا ايضا يتحدثون بكثرة نعيمها في هذا العام، ولين سعرها، و أنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة اربعة اصواغ بدينار مؤمنيّ، و هي أوبتان من كيل مصر و جهاتها، و الأويتان قد حان و نصف قدح من الكيل المغربي. و هذا السعر في بلد لا ضيعة فيه و لا قوام معيشة لاهله إلا بالميرة المجلوبة اليه سعر لا خفاء بيمنه و بركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام و انجلاب الناس اليها و ترادفهم عليها. فحدّثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة انهم لم يروا هذا الجمع بها قط، و لا سمع بمثله فيها. و اللّه يجعله جمعا مرحوما معصوما بمنّه.
و ما زال الناس فيها يسلسلون أوصاف احوالها في هذه السنة و تمييزها عما سلف من السنين، حتى لقد زعموا أنّ ماء زمزم المبارك زاد عذوبة