موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٩٥ - مكة في العهد الاموي
كان كفاحه هذا، و استسلام مكة له بعد ذلك، ضربة قاضية للازدهار الاقتصادي الذي كان يتمتع بخيراته أعيان مكة و سراتها. فقد أخذت الأسر الكبيرة تهاجر واحدة بعد أخرى الى المدينة، التي أصبحت عاصمة الأسلام العتيدة. ثم ازداد هذا الاتجاه في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، الذين أبقوا مقرهم العام ما بين الأنصار. اما علي فقد غادر الجزيرة العربية نهائيا و استقر في الكوفة. و حينما تولى رجال قريش مقاليد الحكم بأيديهم، و اصبحوا قادة للجيوش و حكاما للمقاطعات و البلاد، تخلوا عن اهتمامهم بالتجارة و لم يعد يسمع شيء عن القوافل و الاسواق المعروفة في الحجاز.
فخلت مكة و لم تعد ترغش بالحياة من جديد إلا في موسم الحج التي كان يأتي فيها الخلفاء اليها على رأس الحجاج القادمين من بلادهم. و قد كان الاستيلاء على العراق آخر ضربة توجه للحياة الاقتصادية في غربي الجزيرة العربية فتقضي عليها نهائيا، لأن التجارة الهندية استأنفت السير في طريقها القديم المار بالخليج العربي و وادي الرافدين و عاد اتصالها المباشر بأسواق الشرق الأوسط عن طريق البر.
مكة في العهد الاموي
غير ان الوضع في مكة قد تحسن في عهد الأمويين، على ما يقول مرجعنا في دائرة المعارف الأسلامية. فقد أبدى معاوية اهتماما فعالا بمدينته و مسقط رأسه، فشيد فيها الأبنية و أصلح الزراعة فيما حولها بحفر الآبار و أنشاء السدود لخزن المياه. و أصبحت مكة على عهد من جاء بعده من الأمويين، و لا سيما بني مروان، مدينة للهو و الراحة و ملتقى للشعراء و الموسيقيين الذين كان يجتذبهم اليه المجتمع الباهر المزدهي بأبناء الصحابة. إذ كان الكثيرون من الناس قد عادوا الى السكنى فيها بعد ان حصلوا على الثروة عند اشتغالهم في حكومات البلاد المستولى عليها. و لا يخفى ان اتصالهم بالمدنيات الأجنبية كان قد هذب طباعهم و جعلهم شديدي التأنق. فتعودوا على الاستحمام