موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٢٥ - جمال الدين و آثاره السنية
و وقف به على بعد و كشف عن التابوت، فلما أفاض الناس أفيض به و قضيت له المناسك كلها و طيف به طواف الأفاضة، و كان الرجل، رحمه اللّه، لم يحجّ في حياته. ثم حمل إلى مدينة الرسول، صلى اللّه عليه و سلم، و فتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة، و أبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة و دفن في تلك الروضة و أسعده اللّه بالجوار الكريم، و خصّه بالمواراة في تربة التقديس و التعظيم، و اللّه لا يضيع أجر المحسنين، و سنذكر تاريخ وفاته إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، إن شاء اللّه عز و جل، و هو وليّ التيسير، لا ربّ غيره.
و لهذا الرجل، رحمه اللّه، من الآثار السنية و المفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد، و سراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الاحصاء و يستغرق الثناء، و يستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، و حسبك أنّه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز، حسبما نذكره، و أستنبط المياه، و بنى الجباب، و اختطّ المنازل في المفازات و أمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل و جميع المسافرين، و ابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عيّنها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية، و أجرى على قومه تلك الفنادق و المنازل ما يقوم بمعيشتهم، و عيّن لهم ذلك في وجوه تأبّدت لهم، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق و ملئت ثناء عليه الآفاق.
و كان مدة حياته بالموصل، على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى [١] من الغرباء فيعمهم شبعا و ريّا، و يرد الصادر
[١] الجنلى: الدعوة العامة.