تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٧٤ - القول في الليل و النهار أيهما خلق قبل صاحبه
بعد ذلك يكسيان النور و الضوء، و يطلعان على الناس و يغربان كما كانا قبل ذلك، و اما الناس فإنهم نظروا الى ما نظروا اليه من فظاعة الآية، فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الانهار، و يغرسوا فيها الشجر، و يبنوا فيها البنيان و اما الدنيا فانه لو انتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها الى يوم ينفخ في الصور.
فقال حذيفة بن اليمان: انا و اهلى فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة، و الذى نفس محمد بيده، لتقومن الساعة و لينفخن في الصور و الرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه، و لتقومن الساعة و الثوب بين الرجلين فلا يطويانه، و لا يتبايعانه و لتقومن الساعة و الرجل قد رفع لقمته الى فيه فلا يطعمها، و لتقومن الساعة و الرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله(ص)هذه الآية: «وَ لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ».
فإذا نفخ في الصور، و قامت الساعة، و ميز الله بين اهل الجنه و اهل النار و لما يدخلوهما بعد، إذ يدعو الله عز و جل بالشمس و القمر، فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال و بلبال، ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم و مخافه الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين، فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا و دءوبنا في عبادتك، و سرعتنا للمضى في امرك ايام الدنيا، فلا تعذبنا بعباده المشركين إيانا، فانا لم ندع الى عبادتنا، و لم نذهل عن عبادتك! قال: فيقول الرب تبارك و تعالى: صدقتما، و انى قضيت على نفسي ان أبدئ و اعيد، و انى معيدكما فيما بداتكما منه، فارجعا الى ما خلقتما منه،