تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٩٨ - ذكر غزوته أبا زوجته جراده و خبر الشيطان الذى أخذ خاتمه
الابكار، و لا يغسلها الا الابكار، و لا تمسها امراه قد رات الدم، فلبسها ثم خرج الى فلاة من الارض وحده، فامر برماد ففرش له، ثم اقبل تائبا الى الله حتى جلس على ذلك الرماد، فتمعك فيه بثيابه تذللا لله جل و عز و تضرعا اليه، يبكى و يدعو و يستغفر مما كان في داره، و يقول فيما يقول- فيما ذكر لي و الله اعلم: رب ما ذا ببلائك عند آل داود ان يعبدوا غيرك، و ان يقروا في دورهم و أهاليهم عباده غيرك! فلم يزل كذلك يومه حتى امسى، يبكى الى الله و يتضرع اليه و يستغفره، ثم رجع الى داره- و كانت أم ولد له يقال لها:
الامينه، كان إذا دخل مذهبه، او اراد اصابه امراه من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، و كان لا يمس خاتمه الا و هو طاهر، و كان ملكه في خاتمه، فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه، و أتاها الشيطان صاحب البحر- و كان اسمه صخرا- في صوره سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي يا امينه! فناولته اياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، و عكفت عليه الطير و الجن و الانس، و خرج سليمان فاتى الامينه، و قد غيرت حالته و هيئته عند كل من رآه، فقال: يا امينه، خاتمي! فقالت: و من أنت؟ قال: انا سليمان بن داود، فقالت: كذبت، لست بسليمان بن داود، و قد جاء سليمان فاخذ خاتمه، و هو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان ان خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بنى إسرائيل، فيقول:
انا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب و يسبونه، و يقولون: انظروا الى هذا المجنون، اى شيء يقول! يزعم انه سليمان بن داود، فلما راى سليمان ذلك عمد الى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر الى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا امسى باع احدى سمكتيه بارغفه و شوى الاخرى، فأكلها، فمكث بذلك اربعين صباحا، عده ما عبد ذلك الوثن في داره،