تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٩٧ - ذكر غزوته أبا زوجته جراده و خبر الشيطان الذى أخذ خاتمه
الا انه لا روح فيه، فعمدت اليه حين صنعوه لها فازرته و قمصته و عممته و ردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له و يسجدن له، كما كانت تصنع به في ملكه، و تروح كل عشيه بمثل ذلك، لا يعلم سليمان بشيء من ذلك اربعين صباحا، و بلغ ذلك آصف بن برخيا- و كان صديقا، و كان لا يرد عن أبواب سليمان اى ساعه اراد دخول شيء من بيوته دخل، حاضرا كان سليمان او غائبا- فأتاه فقال: يا نبى الله، كبرت سنى، و دق عظمى، و نفد عمرى، و قد حان منى ذهاب! و قد احببت ان اقوم مقاما قبل الموت اذكر فيه من مضى من أنبياء الله، و اثنى عليهم بعلمي فيهم، و اعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال:
افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا، فذكر من مضى من أنبياء الله، فاثنى على كل نبى بما فيه، و ذكر ما فضله الله به، حتى انتهى الى سليمان و ذكره، فقال: ما كان احملك في صغرك، و اورعك في صغرك، و افضلك في صغرك، و احكم امرك في صغرك، و ابعدك من كل ما يكره في صغرك! ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملاه غضبا، فلما دخل سليمان داره ارسل اليه، فقال: يا آصف، ذكرت من مضى من أنبياء الله فاثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم، و على كل حال من امرهم، فلما ذكرتني جعلت تثنى على بخير في صغرى، و سكت عما سوى ذلك من امرى في كبرى، فما الذى احدثت في آخر امرى؟ قال: ان غير الله ليعبد في دارك منذ اربعين صباحا في هوى امراه، فقال: في دارى! فقال: في دارك، قال:
إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! لقد عرفت انك ما قلت الا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان الى داره فكسر ذلك الصنم، و عاقب تلك المرأة و ولائدها، ثم امر بثياب الطهره فاتى بها، و هي ثياب لا يغزلها الا الابكار، و لا ينسجها الا