تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٧ - ذكر الاحداث التي كانت في ايام ملوك الطوائف
الجرح و الكسر، و كذلك هذا النبي يشفى به الله كل سقيم و مريض، و لان اللبان ينال دخانه السماء و لا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبي يرفعه الله الى السماء لا يرفع في زمانه احد غيره.
فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك، فانى ارغب في مثل ما رغبتم فيه من امره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية الى مريم، و أرادوا ان يرجعوا الى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى، فلقيهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا اليه، و لا تعلموه بمكانه، فانه انما اراد بذلك ليقتله، فانصرفوا في طريق آخر، و احتملته مريم على ذلك الحمار و معها يوسف، حتى وردا ارض مصر، فهى الربوة التي قال الله:
«وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ».
فمكثت مريم اثنتى عشره سنه تكتمه من الناس، لا يطلع عليه احد، و كانت مريم لا تامن عليه و لا على معيشته أحدا، كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد، و المهد في منكبها و الوعاء الذى تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر، حتى تم لعيسى(ع)اثنتا عشره سنه، فكان أول آيه رآها الناس منه ان أمه كانت نازله في دار دهقان من اهل مصر، فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانه، و كان لا يسكن في داره الا المساكين، فلم يتهمهم، فحزنت مريم لمصيبه ذلك الدهقان، فلما ان راى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها: يا أمه، ا تحبين ان ادله على ماله؟
قالت: نعم يا بنى، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك، فجمع له مساكين داره، فلما اجتمعوا عمد الى رجلين منهم:
أحدهما اعمى و الآخر مقعد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى، ثم قال له:
قم به، قال الأعمى: انا اضعف من ذلك، قال عيسى ع:
فكيف قويت على ذلك البارحه؟ فلما سمعوه يقول ذلك، بعثوا الأعمى، حتى قام به، فلما استقل قائما حاملا هوى المقعد الى كوه الخزانه قال عيسى:
هكذا احتالا لمالك البارحه، لأنه استعان الأعمى بقوته، و المقعد بعينيه، فقال