تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٥ - ذكر الاحداث التي كانت في ايام ملوك الطوائف
خلق آدم و امراته من غير ذكر و لا أنثى؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك وقع في نفسه ان الذى بها شيء من الله عز و جل، و انه لا يسعه ان يسألها عنه، و ذلك لما راى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمه المسجد، و كفاها كل عمل كانت تعمل فيه، و ذلك لما راى من رقه جسمها و اصفرار لونها، و كلف وجهها، و نتوء بطنها، و ضعف قوتها، و داب نظرها، و لم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلما دنا نفاسها اوحى الله إليها ان اخرجى من ارض قومك، فإنهم ان ظفروا بك عيروك و قتلوا ولدك فافضت عند ذلك الى أختها- و أختها حينئذ حبلى، و قد بشرت بيحيى- فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا بعيسى، فاحتملها يوسف الى ارض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار و بين الاكاف شيء، فانطلق يوسف بها، حتى إذا كان متاخما لارض مصر في منقطع بلاد قومها ادرك مريم النفاس، و ألجأها الى آرى حمار- يعنى مزود الحمار- في اصل نخله، و ذلك في زمان الشتاء، فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شده التجأت الى النخله، فاحتضنتها و احتوشتها الملائكة، قاموا صفوفا محدقين بها.
فلما وضعت و هي محزونه، قيل لها: «أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» الى «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا»، فكان الرطب يتساقط عليها، و ذلك في الشتاء.
فأصبحت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل ارض مقلوبه منكوسه على رءوسها، ففزعت الشياطين و راعها، فلم يدروا ما سبب ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين، حتى جاءوا ابليس، و هو على عرش له، في لجه خضراء، يتمثل بالعرش يوم كان على الماء و يحتجب، يتمثل بحجب النور التي من دون الرحمن، فاتوه و قد خلاست ساعات من النهار، فلما