تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٥٠ - ذكر خبر لهراسب و ابنه بشتاسب و غزو بختنصر بنى إسرائيل و تخريبه بيت المقدس
العافيه، و اظهرهم على العدو، فلا يزدادون الا طغيانا و بعدا منى فحتى متى هذا! ا بي يتمرسون! أم إياي يخادعون! فانى احلف بعزتي لاقيضن لهم فتنه يتحير فيها الحليم، و يضل فيها راى ذي الرأي و حكمه الحكيم ثم لاسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا، البسه الهيبه، و انزع من صدره الرأفة و الرحمه و الليان، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قطع السحاب، و مراكب امثال العجاج، كان خفيق راياته طيران النسور، و كان حمله فرسانه كرير العقبان.
ثم اوحى الله عز و جل الى ارميا انى مهلك بنى إسرائيل بيافث- و يافث اهل بابل، فهم من ولد يافث بن نوح ع- فلما سمع ارميا و حي ربه صاح و بكى و شق ثيابه، و نبذ الرماد على راسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه، و يوم لقنت فيه التوراة، و من شر ايامى يوم ولدت فيه، فما ابقيت آخر الأنبياء الا لما هو شر على، لو اراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بنى إسرائيل، فمن اجلى تصيبهم الشقوة و الهلاك! فلما سمع الله عز و جل تضرع الخضر و بكاءه، و كيف يقول، ناداه:
يا ارميا، اشق عليك ما اوحيت لك! قال: نعم يا رب، أهلكني قبل ان ارى في بنى إسرائيل ما لا اسر به، فقال الله تعالى: و عزتي و جلالي لا اهلك بيت المقدس و بنى إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك ارميا لما قال له ربه، و طابت نفسه و قال: لا، و الذى بعث موسى و انبياءه بالحق، لا آمر ربى بهلاك بنى إسرائيل ابدا.
ثم اتى ملك بنى إسرائيل فاخبره بما اوحى الله اليه فاستبشر و فرح، و قال:
ان يعذبنا ربنا فبذنوب كثيره قدمناها لأنفسنا، و ان عفا عنا فبقدرته.
ثم انهم لبثوا بعد هذا الوحى ثلاث سنين لم يزدادوا الا معصية و تماديا في الشر، و ذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحى حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة، و امسك عنهم حين الهتهم الدنيا و شأنها، فقال لهم ملكهم: