تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤١٥ - ذكر نسب موسى بن عمران و اخباره
«فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ»، فنظرت بنو إسرائيل الى فرعون قد ردفهم، قالوا:
«إِنَّا لَمُدْرَكُونَ» قالوا: يا موسى، أوذينا من قبل ان تأتينا، كانوا يذبحون أبناءنا، و يستحيون نساءنا، و من بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! انا لمدركون، البحر من بين أيدينا و فرعون من خلفنا، قال موسى: «كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ»، يقول: سيكفينى، «قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر ان ينفتح، و قال:
من هذا الجبار الذى يضربني! حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد، و ضربه، «فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ»، يقول: كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، و كان في البحر اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط، و كان الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما راى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرهم الى اولهم، حتى خرجوا جميعا، ثم دنا فرعون و اصحابه، فلما نظر فرعون الى البحر منفلقا قال: الا ترون البحر فرق منى، و قد تفتح لي حتى ادرك أعدائي فاقتلهم! فذلك قول الله: «وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ»، يقول: قربنا ثم الآخرين، هم آل فرعون.
فلما قام فرعون على افواه الطرق أبت خيله ان تقتحم، فنزل جبرئيل على ماذيانه، فشمت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم اولهم ان يخرج و دخل آخرهم، امر البحر ان يأخذهم فالتطم عليهم،