التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٦٠ - المناقشة فيما أفاده المحقق
و يشهد لما ذكرنا، من المغايرة الاعتبارية ١: أن الشيخ لم يقل أن ظاهر كلام المحقق (قدّس سرّه) أن المراد به مجرد الحكم بالبراءة لعدم الدليل على التكليف لتوقف تنجز التكليف على البيان و قبح العقاب بدونه، لا لأجل الحالة السابقة، كما قد يظهر مما ذكره في وجه جريان البراءة من وجوب الزائد على ربع الدية في عين الدابة، لظهوره في أن الموجب له عدم قيام الإجماع لا غير. و لذا يختص ذلك بالبراءة و لا يجري في التكليف أو غيره من الأحكام الشرعية لو كان ثابتا سابقا، كما صرح به في القسم الثالث إذ لو كان للحالة السابقة دخل في نظر المحقق لما كان المناسب له اعتبار القسم الثالث و هو استصحاب حال الشرع، فاعتباره للقسم الأول دون الثالث ظاهر في خصوصية البراءة دون الحالة السابقة.
و أما التعبير عنه بالاستصحاب فلعله من جهة الحكم فيه على طبق الحالة السابقة و إن لم يكن بملاحظتها، كما هو الحال في القسم الثاني أيضا إذا اختصاص الاستصحاب بما يكون الملحوظ فيه الحالة السابقة اصطلاح متأخر نشأ من الاستدلال عليه بالأخبار الملحوظ فيها ذلك. و لأجل هذا ذكرنا آنفا أنه لا يبعد أن يكون مراد المحقق (قدّس سرّه) بالقسم الأول أصل البراءة الذي نحن بصدده.
و الذي تحصل من جميع ما ذكرنا: أن مراد المحقق (قدّس سرّه) من القسم الأول أصل البراءة، و من الثاني قاعدة عدم الدليل دليل العدم التي هي من الأمارات، بل الأدلة العلمية على نفي الحكم واقعا، و من الثالث الاستصحاب المصطلح عند المتأخرين.
و هي و إن اشتركت في الحكم على طبق الحالة السابقة، إلا أن سنخ الحكم و ملاكه فيها مختلف جدا، فهو في الأول و الثالث ظاهري فعلي، و في الثاني واقعي. و ملاكه في الأول عدم الدليل الذي من شأنه أن يصل، بضميمة قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و في الثاني عدم الدليل واقعا مطلقا، و في الثالث ملاحظة الحالة السابقة فتأمل جيدا.
و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.
(١) بناء على ما ذكرنا في معنى القسمين لا يكون الاختلاف بينها اعتباريا، بل حقيقيا، من حيث أن مفاد الأول نفي التكليف ظاهرا، و مفاد الثاني نفيه واقعا.