مع الركب الحسينى - جمعی از نویسندگان - الصفحة ٢٥٥ - ١) يلاحظ المتأمل في هذه الخطبة القصيرة البليغة الوافية التي خطب الإمام عليه السلام أصحابه بها
مجرى حركة الأحداث لايحمل لهم إلّا المكاره!
لكنّ المُلفتَ للإنتباه هنا هو أنّ الإمام ٧ في هذه الخطبة أيضاً كان يحثّ أصحابه ويحرّضهم على التمسّك بنصرته! فهاهو يذكّرهم بأنّ مابقي من الدنيا ليس إلّا كماءٍ ضئيل في قعر إناء صغير! والأيّام الباقية من هذا العمر في ظلّ حكومة الطاغوت أيّام لاعزّة فيها، عيشها خسيس كالمرعى الوبيل! في عالم لايُعمل فيه بالحقّ، ولايُتناهى فيه عن الباطل! فالأولى للمؤمن أن يرفض هذا العيش الذليل النكد، راغباً في لقاء اللّه تحت راية قائم بالحقّ، فإنّ أفضل الموت القتل في سبيل اللّه، وهو الشهادة والسعادة! وإنّ أسوأ حياةٍ حياةٌ بذُلٍّ تحت قهر الظالمين، إنها التعاسة والبرم!
وهنا كان أنصاره ٧ قد أدركوا مراده من هذه المقالة، وعلموا أنّه محزون لقلّة ناصريه! وأنّه أراد أن يختبر نيّاتهم وعزائمهم في المضيّ معه حتى الشهادة! فبادر زهير بن القين (رض) عن لسان جميع الأنصار- ثمّ تصدّى بالقول نافع بن هلال (رض) وبُرير بن خضير (رض) كما في رواية ابن طاووس (ره)- لتطمين الإمام ٧ بأنّهم ثابتون على نيّاتهم وبصائرهم، وعلى عهدهم في موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وأنهم موقنون بأنّ اللّه قد منّ عليهم بالإمام ٧ إذ فتح لهم باب الجهاد بين يديه ليفوزوا بالشهادة وهي أقصى أمنيّة المؤمنين الصادقين!
والإنسانية لم تزل إلى اليوم- وتبقى إلى قيام الساعة- تقرأ قصة هذا المشهد الرائع من مشاهد مسيرة الركب الحسيني، فتقف إجلالًا وإكباراً لمقالة كلّ من نافع وبرير رضوان اللّه تعالى عليهما، وتتأمل بخشوع وإعجاب لاينقضي في المعاني السامية لأُنشودة الفداء والمواساة التي تضمّنتها مقالة زهير بن القين رضوان اللّه تعالى عليه: «واللّه، لو كانت الدنيا لنا باقية، وكُنّا فيها مخلّدين، إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها!!».