القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٧ - فصل في الصَرَع
والتدابير، وبما يدل عليه السكون والدعة ولون الوجه والعين وسائر ما علمته في القانون، فإن كان البلغم مع ذلك فخاً بارداً، كان النسيان والبلادة وثقل الرأس والبدن والسبات أكثر، ويكون الصرع أشد إرخاء وإضعافاً. وهذا النوع رديء جداً.
وأما الكائن عن البلغم المالح، فيكون السبات فيه أقل، وبرد الدماغ أخف، والحركات أسلم. وأما علامة ما كان سببه السوداء فقيء السوداء، أما الشبيه بالدم الأسود، وأما الجريف المحترق، وأما الحامض الذي تغلي منه الأرض، ويكون طباع صاحبه مائلًا إلى الاختلاط في ذهنه، وإلى حالة المالنخوليا، ولا يصفو عقله عند الأفواق. ويستدلّ على السوداء أيضاً من لون الوجه، والعين، ومن جفاف المنخر واللسان، والتدابير المولّدة للسوداء، فإن كان السوداء عكر دم طبيعي، كان الصرع مع استرخاء، وقلّة كلام، ومع سكون، ويكون صاحبه صاحب أفكار ساكنة هادئة. فإن كان السوداء من جنس الصفراء المحترق، وهو الحريف، فإن اختلاطه يكون جنونياً ومع كثرة كلام وصياح، ويكون صرعه مضطرباً وخفيف الزوال، وربما كان مع حمى، ولا سيما إذا كان سوداؤه رقيقاً.
وإن كان عن دم سوداء دموي، كان أحواله مع ضحك، وأنت تقدر على أن تتعرف جوهر السوداء من القيء، هل هو شبيه بثقل الدم، فهو سوداء طبيعي، أو شبيه بثقل النبيذ، فهو سوداء محترق، أو خشن فهو عفص يخشن الحلق ويدل على غاية برده ويبسه، أو حامض رقيق مع رغوة، فهو يغلي على الأرض، أو غليظ لا رغوة له. وأما علامة مما يكون سببه الدم، فإنا فقول: أن الدم إن فعل الصرع بالغليان والحركة دون الكمية، لم يظهر له كثير فعل في اللون والأوداج، ولا حال كالاختناق في أوقات قبل الصرع، ولكن يظهر منه ثقل وبلادة واسترخاء وكثرة ريق ومخاط، كما يظهر من البلغم، ولكن مع حرارة وحمرة في العين، وبخار على الرأس دموي، فإن فعل بالكمية كان مع العلامات درور في الأوداج وتقدم حال، كالاختناق. وعلامة ما كان من الصرع بسبب مادة صفراوية، وذلك في الأقل، هو أن يكون التأذي والكرب عنه أشد، والتشنّج معه أقل، ومدته أقصر، ولكن الحركات تكون فيه أشد اضطراباً، ويدل عليه القيء والالتهاب، وشدة اختلاط العقل، وصفرة اللون والعين.
وأما ما كان سببه من المعدة، فعلامته اختلاج في فم المعدة، لاسيما عند تأخر الغذاء، ورعدة وارتعاش، واهتزاز عند الصرع، وصياح، وخصوصاً في ابتداء الأخذ، ويكون معه انطلاق وبراز، ودرور بول وإمذاء وإمناء وخفقان وصداع شديد. وخفة الصرع أو زواله باستعمال القيء، وأحوال تدل على فساد المعدة وزيادة من الصرع ونقصان بحسب تلطخ المعدة ونقائها، وربما يقتل هذا بتواتر الأدوار، فمن ذلك أن يفعل الخلط الذي فيها بكثرته وكثرة بخاراته. وهذا هو الخلط البلغمي في الأكثر، وربما خالطه غيره، فعلاماته أن يعرض الصرع في