القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٧٥ - فصل في تشريح الحنجرة والقصبة والرئة
القلب. ومنفعة هذا الهواء المعد أن يعدل بروحه حرارة القلب، وأن يمدّ الروح بالجوهر الذي هو أغلب في مزاجه من غير أن يكون الهواء وحدة، كما ظنّ بعضهم يستحيل روحاً كما لا يكون الماء وحده يغذو عضواً، ولكن كل واحد منهما، أما جزء غاذ، وأما منقذ مبذرق.
أما الماء فلغذاء البدن، وأما الهواء فلغذاء الروح، وكل واحد من غذاء البدن والروح جسم مركب لا بسيط. وأما منفعة إخراج الفضل المحترق من الروح، وكل واحد من غذاء البدن والروح جسم مركب لا بسيط. وأما منفعة إخراج الفضل المحترق من الروح، وهو دخانيته والرئة لدخول الهواء البارد، فإن هذا المستنشق يكون لا محالة قد استحال إلى السخونة، فلا ينفع في تعديل الروح. وأما تشعّب العروق والقصبة في الرئة، فإن القصبة والشريان الوريدي يشتركان في تمام فعل النفس. والشريان الوريدي، والوريد الشرياني يشتركان في غذاء الرئة من الدم النضيج الصافي الجائي من القلب. وأما منفعة اللحم، فليسدّ الخلل، ويجمع الشعب. وأما تخلخله، فليصلح للاستنشاق، فإنه ليس إنما ينفذ الهواء في القصبة فقط، بل قد يتخلص إلى جرم الرئة منه، وفي ذلك استظهار في الاستكثار، وليعين أيضاً بالانقباض على الدفع، فيكون مستعداً للحركتين، ولذلك ما تنتفخ الرئة بالنفخ.
وأما بياضه، فلغلبة الهواء على ما يتغذى به، ولتردده الكثير فيه. وأما انقسامها باثنتين، لئلا يتعطل التنفّس لآفة تصيب أحد الشقّين. وكل شعبة تتشعّب كذلك إلى شعبتين. وأما الخامسة التي في الجانب الأيمن فهي فراش وطيء للعرق المسمّى الأجوف، وليس نفعه في النفس بكثير، ولما كان القلب أميل يسير إلى الشمال، وجد في جهة الشمال شاغل لفضاء الصدر، وليس في اليمين، فحسن أن يكون للرئة في جانب اليمين زيادة تكون وطاء للعروق، فقد وقعت حاجة.
والرئة يغشيها غشاء عصبي، ليكون لها على ما علمت حسن ما يوجّه، فإن لم يكن مداخلًا، كان مجللًا. على أنّ الرئة نفسها وطاء للقلب بلينها، ووقاية له. والصدر مقسوم إلى تجويفين، يفصل بينهما غشاء ينشأ من محاذاة منتصف القصّ، فلا منفذ من أحد التجويفين إلى الآخر. وهذا الغشاء بالحقيقة غشاءان، وهو يتصل من خلف بالفقار، ومن فوق بملتقى الترقوتين. والغرض في خلقهما، أن يكون الصدر ذا بطنين، إن أصاب أحدهما آفة كمل الآخر أفعال التنفّس وأغراضه.
ومن منافعها ربط المريء، والرئة، وأعضاء الصدر، بعضها لبعض. وأما الحجاب، فقد ذكرنا صورته، ومنفعته في تشريح العضل، فإنه بالحقيقة أحد العضل، وهو من ثلاث طبقات، المتوسّطة منها هي حقيقة الوتر الذي به يتمّ فعلها والطبقة التي فوقها هي كالأساس والقاعدة لأغشية الصدر التي تستبطنه، والطبقة السافلة مثل ذلك لأغشية الصفاق. وفي الحجاب ثقبان: الكبير منهما منفذ المريء، والشريان الكبير، والأصغر ينفذ فيه الوريد المسمى الأبهر، وهو