القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٥٢ - فصل في علاماته المشتركة
وقد زعم بعض المتطببين أنه ربما عرض مرض شبيه بقرانيطس من غير حمّى، وكونه من غير حمّى دليل على خلوّه من الورم. قال: لكنه يكون شديد القلق والتوثّب لا يملك صاحبه قراراً، ويكاد يتسلّق الحيطان ويشتد ضجره وغمه، عطشه وضيق نفسه، وإذا شرب الماء شرق به وقذفه، قيل: وهو قاتل من يومه في الأكثر، وربما امتدّ إلى أربعة أيام، ولن ينجو منه أحد، بل يعرض لهم أن يسوّد وجوههم وألسنتهم، وتكون أعينهم جامدة وحالتهم كحالة الملهوفين، ثم تلين حركاتهم ويسقط نبضهم ويموتون، وأكثر موتهم بالاختناق، وتراه يعدو، ثم تراه إثر ذلك قد سقط ومات.
أقول: لا يبعد أن يكون السبب في ذلك مشاركة من الدماغ لعضو آخر كريم، مثل عضل النفس إذا عرض له تشنّج عظيم، أو فساد آخر ينحو نحو الخناق، ويتأدّى إلى الدماغ، فيشوّشه ويفسده ويخلط العقل ويعطش بتجفيف نواحي الحلق والصدر.
فصل في علاماته المشتركة
أما علاماته المشتركة لأصنافه الحقيقية، فحمى لازمة يابسة تشتدّ في الظهائر على الأكثر، وهذيان يفرط تارة وينقطع أخرى كراهة للكلام وكسلًا عنه، ويختلط العقل وأكثره بقرب الرابع، وعبث الأطراف ونفس مضطرب غير منتظم، ولكنه عظيم، وامتداد من الشراسيف إلى فوق كثيراً، واختلاج أعضاء معه وقبله ينذر به، وربما كان معه نوم مضطرب ينتبهون عنه فيصيحون، وتارة ينامون، وتارة يسهرون، ويكون في الأكثر نومهم مضطرباً مشوّشاً مع خيالات وأحلام فاسدة هائلة، وانتباه مشوّس مع صياح، ويكون هناك وقاحة وجسارة وغضب فوق المعهود، ويبغضون الشعاع ويعرضون عنه، وتضطرب ألسنتهم اضطراباً شديداً وتخشن ويعضون عليها، وربما ورمت. وكثيراً ما ينقطع صوتهم، ويشتهون الماء فيشربون منه قليلًا لا يكثرون، وليس أيضاً شهوتهم له كثيرة.
وكثيراً ما تبرد أطرافهم من غير برد من خارج يوجبه.
وأما أبوالهم فتكون مائلة إلى الرقّة واللطافة، وأما نبضهم فيكون صلباً بسبب كون الورم في عضو عصبي صعب لصلابة العرق، وضعف القوة مضغوطاً للمادة في نبضهم قوة ما، إلا أن يقاربوا الخطر، لأن اليبس يجمع ويشد. ويكون آخر الانقباض وأول الانبساط أسرع، ولا تخلو منشاريته عن موجية ما لأن الدماغ جوهر رطب. وقد يعرض لنبضهم أن يعرض مراراً، أو يعظم للحاجة، وأن يتواتر، وأن يختلف في أجزاء الوضع ويرتعش، وذلك مما ينذر بغشي، اللهم إلا أن يكون جنساً من الاختلاف والارتعاش والارتعاد توجبه صلابة العرق، وقوة القوة، فلا ينفر به. وقد يعرض للنبض منهم أن يكون تشنجياً، فينذر بتشنّج.
وإذا رأيت علامات أمراض حادة وحميات صعبة واعتقلت الطبيعة، فإن ذلك ينذر