القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٠ - فصل في الدلائل المأخوذة من الموافقة والمخالفة وسرعة الانفعالات وبطئها
واضحة، اللهم إلا أن يكون في التزيد ولأنك عارف بأسباب الأورام الحارة والباردة والصلبة منها والسرطانيّة والقروح الساعية والساكنة وغير ذلك، فليس بصعب عليك الاستدلال منها على حال الرأس والشعر أيضاً، فقد عرفت في الكتاب الأوّل أسباب حدوثه وعرفت السبب في جعودته وسبوطته ورقّته وغلظه وكثرته وقلته وسرعة شيبه وبطئه، وستعلم سبب تشقّقه وتمرطه وانتثاره في أبواب مخصوصة، فيعرف منها كيفية الاستدلال من الشعر، ونحن نحيل بذلك على ذلك الموضع هرباً من التطويل والتكثير.
فصل في الدلائل المأخوذة من الموافقة والمخالفة وسرعة الانفعالات وبطئها
أما العلامات المأخوذة من جنس الموافقة والمخالفة وسرعة الانفعال وبطئه، فإنّ الموافقات والمخالفات لا تخلو إمّا أن تعتبر في حال لا ينكر صاحبها من صحّته التي يحسبه شيئاً أو في حال خروجه عن الصحة وتغير مزاجه عن الطبيعة، فموافقه في حال صحّته التي يحسبه هو الشبيه لمزاجه فمزاجه. يعرف من ذلك ومخالفه في تلك الحالة ضدّ مزاجه. وأما في حال خروجه عن صحته وتغيّر مزاجه عنه فالحكم بالضدّ وقد قلنا فيما سلف من الأقاويل الكليّة أنّ الصحّة ليست في الأبدان كلها على مزاج واحد وأنه يمكن أن تكون صحة بدن عن مزاج يكون مثله مما يجلب مرضاً لبدن آخر، لو كان له ذلك المزاج إلّا أنه يجب أن يعتبر ما يخالفه في الطرف الآخر أيضاً مقيساً بما يخالفه في هذا الطرف حتى يعلم بالحدس المقدار الذي له من المزاج. فإنّ الإفراطين معاً مخالفان مؤذيان لا محالة، وإنما يوافق صحة ما، من الخارج عن الاعتدال، ما لم يفرط جداً والدماغ الذي به سوء مزاج حار، ينتفع بالنسيم البارد والأطلية الباردة والروائح الباردة طيبة، كانت كالكافوريّة أو الصندليّة والنيلوفريّة ونحوها أو منتنة كالحمئية والطحلبية. وينتفع بالدعة والسكون والذي به سوء مزاج بارد، ينتفع بما يضاد ذلك فينتفع بالهواء الحار والروائح الحارة الطيبة والمنتنة أيضاً المحلِّلة المسخّنة وبالرياضات والحركات، والذي به سوء مزاج يابس يتأذّى بما يستفرغ منه وينتفض عنه. والذي به سوء مزاج رطب ينتفع بما يستفرغ منه وينتفض عنه.
وأما الاستدلال من سرعة انفعالاته مثل أن يسخن سريعاً أو يبرد سريعاً، فالذي يسخن سريعاً يدل على حرارة مزاج على الشريطة المذكورة في الكتاب الكلّي، وكذلك الذي يبرد سريعاً وكذلك الذي يجفّ سريعاً، فقد يكون ذلك لقلّة رطوبته أو لحرارة مزاجه، ولكنّ الفرقان بينهما، أنّ الأوّل يوجد معه سائر علامات يبوسة الدماغ مثل السهر وغيره مما نذكره في باب علامات مزاج الدماغ. وهذا الثاني إما يعرض له اليبوسة في الأحايين عند حركة عنيفة أو حرارة شديدة، أو ما يجري مجراه من أسباب اليبوسة ثم لا يكون له في سائر الأوقات دليل اليبوسة. والذي لحرارة مزاجه، فيكون معه سائر علامات الحرارة في المزاج.