القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٠٠ - فصل في تشريح الدماغ
أما برده قليلًا، فلشغله كثرة ما يتأذى إليه من قوى حركات الأعصاب وانفعالات الحواس وحركات الروح في الاستحالات التخيلية والفكرية والذكرية، وليعتدل به الروح الحار جداً النافذ إليه من القلب في العرقين الصاعدين منه إليه، وخلق رطباً لئلا تجففه الحركات وليحسن تشكّله وخلق ليّنماً دسماً.
أما الدسومة فليكون ما ينبت منه من العصب علكاً.
وأما اللين فقد قال جالينوس: إن السبب فيه ليحسن تشكله واستحالته بالمتخيلات، فإن اللين أسهل قبولًا للاستحالات. فهذا ما يقوله.
وأقول: خلق ليناً ليكون دسماً وليحَسن غذاؤه للأعصاب الصلبة بالتدريج، فإن الأعصاب قد تغتذي أيضاً من الدماغ والنخاع، ثم الجوهر الصلب لا يمد الصلب بما يمدّه اللين، وليكون مِا ينبت عنه لدنا، إذا كان بعض النابت منه محتاجاً إلى أن يتصلّب عند أطرافه لما سنذكره من منافع العصب، ولما كان هذا النابت محتاجاً إلى التصلب على التدريج وتكون صلابته صلابة لدنٍ، وجب أن يكون منشؤه جوهراً لدناً دسماً والدسم اللزج لين لا محالة.
وأيضاً ليكون الروح الذي يحويه الذي يفتقر إلى سرعة الحركة ممداً برطوبة، وأيضاً ليخص بتخلخله فإن الصلب من الأعضاء، أثقل من اللين الرطب المتخلخل.
لكن جوهر الدماغ أيضاً متفاوت في اللين والصلابة، وذلك لأن الجزء المقدم منه ألين والجزء المؤخر أصلب، وفرق ما بين جزأين باندراج الحجاب الصلب الذي نذكره فيه إلى حد ما، وإنما لين مقدم الدماغ لأن أكثر عصب الحسّ وخصوصاً الذي للبصر والشتم ينبت منه، لأن الحس طليعة البدن وميل الطليعة إلى جهة المقدم أولى. وعصب الحركة أكثره ينبت من مؤخره وينبت منه النخاع الذي هو رسوله وخليفته في مجرى الصلب وحيث يحتاج إلى أن ينبت منه أعصاب قوية وعصب الحركة يحتاج إلى فضل صلابة لا يحتاج إليه عصب الحس، بل اللين أوفق له فجعل منشؤه أصلب وإنما أدرج الحجاب فيه ليكون فضلًا، وقيل ليكون اللين مبرأ عن مماسة الصلب لأن ما يغوص فيه صلب وليّن جداً. ولهذا الطي منافع أخرى، فإن الأوردة النازلة إلى الدماغ المفترقة فيه تحتاج إلى مستندٍ وإلى شيء يشدها فجعل هذا الطي دعامة لها وتحت آخر هذا العطف، وإلى خلفه المعصرة وهي مصبّ الماء إلى فضاء كالبُركة، ومنها تتشعب جداول يفترق فيها الدم ويتشبه بجوهر الدماغ ثم تنسفها العروق من فوهاتها وتجمعها إلى عرقين كما سنذكره في تشريح ذلك.
وهذا الطي ينتفع به في أن يكون مثبتاً لرباطات الحجاب اللصيق بالدماغ في موازاة الدروز من القحف الذي يليه. وفي مقدم الدماغ منبت الزائدتين الحلميتين اللتين بهما يكون الشم، وقد فارقتا لين الدماغ قليلًا ولم تلحقهما صلابة العصب، وقد جلل الدماغ كله بغشاءين أحدهما رقيق يليه، والآخر صفيق يلي العظم وخلقا ليكونا حاجزين بين الدماغ وبين العظم. ولئلا يماس