القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٣٠ - فصل في أصناف الصُداع الكائن بالمشاركة
هضمه، أو سائر وجوه فساده المذكورة في بابه، ومن هذا القبيل، صداع أكل الثوم، والبصل، والخردل، وصداع الخمار وصداع من تناول الباردات وحركات المواد في الأعضاء، يجب أن تتذكّرها من الأصول الكلية والريح من جملة المواد المصدعة، ويصدع بالتحديد وذلك إذا ضاق عليه منفذ طبيعي، قد خلق أضيق مما ينبغي له في وقته، أو طلب أن يحدث منفذاً غير طبيعي.
والبخار أيضاً من جملة ذلك ويفعل إما بكيفيته، وإما لمزاحمة الأخلاط في الأمكنة، فتحركها، والرياح والبخارات قد تتولد في البدن وفي الدماغ نفسه، وقد تستنشق من خارج، أو تأتي من جهة المسام، ثم تحتقن في الدماغ فيصدع. ومن هذا القبيل صداع النتن، وصداع الطيب.
واعلم أن الرياح البلغمية والبخارات البلغمية، ثقيلة بطيئة الحركة محتبسة، والسوداوية موحشة ثابتة، أقل كماً أو أردأ كيفاً والأخلاط الحادة لا تهيج رياحاً، بل أبخرة والأبخرة الدموية عذبة، أقل من الأبخرة ضرراً، بل أكثرها بكميتها، والصفراوية حادة ملتهبة، فاعلم جميع ما قلناه.
فصل في أصناف الصُداع الكائن بالمشاركة
الصداع الكائن بالمشاركة، منه ما هو بمشاركة مطلقة ومنه ما هو بمشاركة غير مطلقة، والمشاركة المطلقة، هو أن لا يتأدي إلى ناحية الدماغ من العضو المشارك شيء جسماني البتة، إلا نفس الأذى، وأما المشاركة الغير المطلقة، فأن يتأدى إلى جوهر الدماغ من ذلك العضو مادة خلطية، أو بخار.
ومن القسم الأول: أصناف الصداع الكائن في التشنج، والكزاز والتمدد، ورياح الأفرسة، وأوجاع المفاصل ومثل ما يكون في النقرس وعرق النسا القويين. وربما كان المتأدي من الكيفيات المشاركة كيفية ساذجة من اليكفيات الطبيعية، أو كيفية غريبة رديئة لا تنسب إلى حر أو برد مثل الكيفيات السمية، فربما يكون في بعض الأعضاء خلط سمي رديء الجوهر، فتتأذى كيفيته، وربما كان المتأدي من المواد مواد غير غريبة في طبائعها، وإنما أدت باشتداد كيفياتها، أو تزايد كمياتها، وربما كان المتأدي مادة غريبة تولدت في بعض الأعضاء تولداً غريباً فاسداً، كما يكون في احتقان الرحم، أو يكون لمن طال عهده بالجماع، أو حدث في مرات خلط رديء، وفي شيء من أطرافه، وربما صارت الكيفية المؤذية المتأدية سبباً لحصول مادة مؤذية أيضاً، وذلك على وجهين.
أحدهما: أن تفسد تلك الكيفية ما تجده في نواحي الدماغ من المواد الجيدة، أو ما يتأدى إليها من الغذاء الجيد.
والثاني: أن يجعل الدماغ قابلًا للمواد الرديئة، وهذا القبول على وجهين، أحدهما قبول عن جذب منه مثل أن يسخن منه الدماغ، فيجذب إليه بالسخونة المواد. والثاني: قبول عن